ورحلت يا عمر.. شيخ يرثي ابنه المؤمل!

 

في رثاء ابنه (عــمـــر) ذي الأعوام الثلاثة وقد اصطفاه الله إليه في ليلة الاثنين 15/6/1430هـ

شعر: د. عبدالله بن محمد العسكر
محاضر بجامعة الملك سعود – فرع الخرج
alaskar5@gmail.com


ورحـلـتَ يــا عـــمــــر!


نزل القضـــاءُ فزُلزِلــت أشجانـــي وأصاب سهمُ الموت لبَّ جَنانــي
وعَدَتْ عليّ من العــوادي غَشْيـــةٌ دهمـاءُ ذاتُ عواصـفٍ ودخـــانِ
ما حيلتـي في كربتـي إلا الرضــــا وقبول أمــــر الواحــد الديـــــانِ
ما حيلتـي إلا التصبُّـــر فهــو لـــي زادٌ إذا ما حُـــمَّ أمــــرُ زمانـــي
غِـيَـرُ الزمان على العبــادِ كثيـــرةٌ وأجلُّهــــنَّ فجيـعــــةُ الوِلـــــدانِ
لِمَ لا ؟ وهم نـور الحيـاة وأُنْسُهــا وهُمُ أزاهـــرُ روضِهنــا الفينـانِ
إنـي رُزئــتُ ويا لَهـــول رزيتـــــي بصفي روحي ساعدي وسِنانـي
في ليلة الإثنيـــن في خمسٍ تلــــتْ عشـراً توالت من جمـادى الثاني
فيها بدا بــدرُ السمــــا لما اختفـــى بـدرُ الدنـى فتنــاوبَ القمــرانِ!!
أوَّاهُ يا عمــــرُ الــتذي ما فارقـــتْ ذكـراه قلــبَ المُدنَـفِ الولهـــانِ
أحَبيبَ قلبــي هل أنـــا فــي يقظـــةٍ أم في خيـال النائــم الوَسنــانِ؟!
أعـــزِزْ عليَّ بأن أراك على سريـــ ـرِ الموت قد أُدْرِجتَ في الأكفانِ
يا للبـــراءة فــــي محيّــــاك الــــذي قد كـان منبـعَ فرحتــي وأمانــي
أسلمتَ روحَــك للإلــهِ ولــم تكـــن متلطِّخـــا بقبــائـــح العصيـــــانِ
ورحلـتَ عن دنيـا الدنـاءة طاهـــراً عَــــفَّ الإزار معطّـــــرَ الأردانِ
أبنيَّ كـم سالــــت لفقـــدك أدمعــي وهَمَــتْ كغيــث الوابــل الهتّــانِ
إني لأكظم في الورى من لوعـتــي ما قد أضـرَّ بخاطـــري وبرانـي
فـــإذا خلــوتُ فللدمـــوع حكايــــةٌ تروي لهيب الشوق في وجداني
يا نـور عيني يا حُشاشـة مهجتـــي يا أنس روحــي يا ربيـع زمانـي
كم هزّني الشــوق الدفيــن لضمَّــةٍ أسلو بهــا مـن لوعــة الحرمـانِ
كم ذا أحِــنُّ لصـوتك العـــذب الذي ما زال يُطـرِبُ مسمعي وجَناني
كم شاقنــي مـرآك تبسِــم ضاحكــاً ويــداك تمتــدانِ حيــــن ترانــي
في كل ركن من زوايا البيـت أصْــ ـداءٌ تثيـــر كوامـــن الأحــــزانِ
لما وقفتُ على الحبيــب وقد بــدت عينــــاه شاخصتــين للرحمـــــن
أحسستُ أن الأرض ضاق فسيحها شعـرتُ أن أديمهـــا يصلانـــــي
مالــي أنــاديــه فليــس يجيبنــي؟! ولطـــالـمـــا ناديـتُــــه فأتــانــــي
ولطالمـا طـــرب الفـــؤاد لشــدوِه ببدائــــع الأنغـــــام والألحــــــانِ
رحمــاك يا ربـــاه فاجبُــر كسـرنا والطـف بنـا يا صاحب الإحسـانِ
واللهِ لم أصبـــر على مــرِّ القضـــا إلا رجـــاء الأجــــر والغفـــــرانِ
أسلمــتُ للديــان أمـــري راضـيــاً مالــي سوى التسليــم والإذعـــانِ
لا يُســألُ الرحمــــن عـن أفعالـــه سبحانــه فهــو العظيـــم الشــــانِ
يقضــي ويحكــم ما يشـــاء لأنــه رب الخلائـــق إنسِهـــم والجــانِ
مَلِــكٌ تفـــرّد بالجـــلال وبالعلـــى فله البقـتــاء وما ســــواه فانـــي
لك المحامــد يــا إلهـــي والثنـــــا متتابعـــاً في الســــرِّ والإعـــلانِ
فلئــن أخــذتَ فقد وهبت منائحــا جلّت عــن التعــــداد والحُسبـــانِ
ولئن مضــى عمــرٌ فـإن محمــداً خلَفٌ أرجيـــه لبــــأس زمانــــي
أخواتــه اللاتــي رُزقتُ بهنَّ مـن نِعَــمِ الإلـــه الـمُفضِــل المنــــانِ
*** *** *** ***
إني أعــزي النفــس لا بقصـائــدٍ مسبــوكــةِ الكلمــاتِ والأوزانِ
لكنْ عـــزائي فـي بلائــي أننـــي أرجـو بفقـدكَ أعظـم الإحســانِ
أُبدي رضـــاي بما يقــدِّر خالـقي كيما أثقِّــلَ بالرضـــا ميـــزانـي
في مـوقـفٍ للحشــر يعظم عنـده هـولٌ يُشِيـبُ مفــارقَ الولــــدان ِ
والخلق في كربٍ ، ونــارُ جهـنمٍ ترمي وتَغلـي بالحميـــم الآنـــي
وهناك أسمع في الجموعِ منادياً: أبتـي وأمــي أقبِـــلا ضُمّـانــي
فأجيل طرفي إذْ بفلــذةِ مهجتــي وعليه حَلْـيُ التِّبــر والتيجــــانِ
عمرُ الحبيـب أتى بوجهٍ ضاحـكٍ كالبــدر شـــعّ بنــوره الفتــــان ِ
أبتــي ويــا أمّـــاه إنـــي ههنــــا في حبْـرةٍ وبحضرة الرحمـــــن
ألهـو وأمـرح حيـثُ شئتُ بجنـةٍ خضراءَ ذاتِ مرابــعٍ ومغانــي
لا تحــزنــا فاللــه أكرمكــم بمــا قد نالكـم بمصيـبــة الحرمـــانِ
مـــدّا إلـــيّ يديكمـــا فأنـــا لكـــم فرَطٌ شفيـــعٌ سائـــقٌ لجنـــــــانِ
قوما إلى دار الكرامة والرضـى وتنعّمـــا بالـــرَّوح والريحـــانِ
هذا رجائي وهو سـلوة وحشتي وبـه أثبــــت موقنــــاً إيمانــــي
*** *** *** ***
تلكــم تباريحــي نثــرت جمانهــا فجرى اليراع مسطراً أشجانــي
وحكى مشاعرَ والدٍ شرب الأسى وجرتْ عليه نوائــبُ الحِدثــــانِ
فعليـك يا ولـدي الحبيــبُ تحيـــةٌ مني مضمّخــة بفيــض حنـــانِ
وإلى لقــــــاء لا تفـــرّق بعـــــده عند الإلـــه بجنــــة الرضـــوانِ


الكاتب: عبدالله الهاشمي
التاريخ: 02/08/2009