بين يدي تفتيت السودان: يا أهل القرآن تمايزوا

 

بين يدي تفتيت السودان:يا أهل القرآن تمايزوا

قال الله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم) ، وقال سبحانه وتعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون) ، وقال تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرةً ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون.ليَميز اللهُ الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون) .
إن هذه الآيات التي تبيِّن سنن الله تعالى الشرعية في امتحان أهل الإيمان وتُجلي مقاصد هذا الامتحان في تصفية المجتمع المؤمن من أدران أهل النفاق وتخليصه من مكائد أهل الكفر لا تنفك عن المنظومة الجهادية التي رسمها الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) ؛ فقد خضع المجتمع المسلم منذ تكوينه الأول إلى هذا التمحيص العلمي تارةً كما في حادثة الإسراء التي لم تطق عقول الذين ارتدوا على أدبارهم التظاهر بالإيمان بها فخلص الله تعالى المجتمع المسلم الأول من هذه الشوائب قبيل الهجرة العظيمة التي كتب الله تعالى أن تكون نواة التأسيس لدولة الإسلام العظيمة، كما خضع إلى التمحيص العملي كما في غزوة أحد حيث نكص فريق المنافقين بقيادة رأس النفاق ابن سلول ليكون شهداء أحد هم المؤمنون الخُلَّص الذي اصطفاهم الله تعالى للشهادة على أعظم حقيقة في الكون؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وما زال دأب الأمة الإسلامية على مر العصور على هذا المنوال، ابتلاءٌ فتمحيصٌ فثباتٌ فتمكين، وصدق قائد المجاهدين صلوات ربي وسلامه عليه:"الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ؛ يعني الجهاد في سبيل الله.
وإن المسلم المتبصر بأحوال الأمة في السودان ليدرك أن مرحلة اختلاط الأوراق وتمييع الهوية ومحاولات اجتثاث جذور الجهاد العقدية ومقوماته العملية من أرض السودان قد أضر كثيراً بمسيرة الأمة الجهادية اليوم، وإن أخطر ما في هذه المؤامرة – كما هو الحال في السودان وغيره – هو تعليق قلوب الناس بمناطات وهمية للقوة والتآلف بهدف تحقيق أمرين اثنين:
أولهما: قطع تعلق الناس بمناطات الولاء والبراء الصحيحة وهي الإيمان بالله والكفر به، وإحلال مناطات الوحدة الوطنية والقومية والقبلية وغيرها محلها.

ثانياً: تمزيق الأمة المسلمة من خلال تفصيل وإعادة تفصيل هذه المناطات كلما دعت الحاجة لتتواءم مع حاجة المرحلة لدى أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ بمعنى أن العدو يقوي وحدة بلدٍ أو "وطنٍ" ما عندما تكون الحاجة لذلك تصب في مصلحة العدو كأن يراد ضرب هدف آخر به (كما حدث سابقاً مع العراق وإيران ودول الخليج)،

فإذا تم نفيذ المهمة صير إلى تفتيت هذه القوة لصالح مرحلةٍ جديدة من مراحل الفتك بهذه الأمة.

ولا يخفى ما لهذا الأمر من دورٍ خطيرٍ في الفت في عضد الأمة وإنهاك قلوب أفرادها باليأس من أية محاولة للنهوض في وجه هذه المؤامرات.


ونحن ننتظر خلال أيام قليلة مهزلة الاستفتاء الذي يراد من خلاله تقديم قربان جنوب السودان في محراب الصهيوصليبية، وسيبكي البعض لأن "وحدة الوطن" تمزقت، ولأن "التفرق" ضعف، ولغير ذلك من الأسباب المتعلقة بالمناطات الوهمية التي أشرنا إليها، ولا شك أن ما يحاك أمر جلل، لكن المطلوب منا الإفاقة من هذه الغيبوبة الأممية والنظر في أخذ زمام المبادرة وتعاطي مقومات النصر في المرحلة القادمة بعد أن نُجَيِّر هذه المؤامرة لصالحنا؛

 نعم، لنجعل من هذه المؤامرة – بإذن الله تعالى- تمايزاً للصفوف حتى تزول موانع إعمال السيف في رقاب أعداء الأمة المحاربين، نعم ليتزيل أهل الإيمان وأهل الطغيان كما قال تعالى: (هم الذين كفروا وصدُّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرةٌ بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً) ، فاختلاط أهل الكفر بأهل الإيمان قد يكون مانعاً من استئصال شأفتهم حقناً لدماء المعصومين، فليتزيل أهل الكفر وليتمايز أهل الإيمان كما تمايز أهل بدر بالعقيدة وبالهجرة وبالجغرافيا حيث قال تعالى: ( إذ أنتم بالعُدوة الدنيا وهم بالعُدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميعٌ عليمٌ) ؛ نعم؛ إن الذين تقاتلوا في بدر من المؤمنين والكفار هم الذين كانوا متعايشين في مكة قبل الهجرة، وكان ذلك التعايش مانعاً من السيف، حتى إذا صفت العقيدة وتمت الهجرة وتصافّ الفريقان أذن الله تعالى لسيوف التوحيد أن تطهر الأرض من رذائل الكفر، وإني لأؤمن أن الله تعالى يصرف الأمر بحكمته البالغة لما فيه خير الأمة، فهل لنا من وقفة نشرع فيها بالأخذ بما أمرنا الله تعالى من إعداد العدة لهذه المرحلة العظيمة...


فعن عباس قال: "شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبل الكفار، وأنا آخذٌ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عباس! ناد أصحاب السمرة، فقال عباس - وكان رجلاً صيتاً- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ فقال: والله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد، فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً" ، قلت: فتأمل كيف حمي الوطيس عندما تمايز أهل الفرقان من أصحاب السمرة وهم أصحاب بيعة الرضوان الذين كانوا قد بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت،

وكيف تمايز الأنصار وهم دثار النبي صلى الله عليه وسلم، فيا له من نداء، وأنعم به من مناط تعقد عليه ألوية الجهاد في سبيل الله...
وذكر ابن كثير رحمه الله مثل هذا في معركة اليمامة :"وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهز الصدِّيق لقتاله خالد بن الوليد فى قريب من ثلاثة عشر ألفاً، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامى لكثرة من فيه من الأعراب. فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد خلِّصنا - يقولون ميِّزنا من هؤلاء الأعراب - فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريباً من ثلاثة آلاف؛ ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالاً شديداً، وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح الله عليهم، وولى جيش الكفار فارّاً، واتبعتهم السيوف المسلمة فى أقفيتهم قتلاً وأسراً، وقتل الله مسيلمة وفرَّق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام. ولكن قُتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة رضى الله عنهم" .


فتأمل كيف كان أثر اختلاط الأعراب وحديثي العهد بالإسلام على أهل الإيمان الخُلَّص، وانظر كيف فعل ثلاثة آف من الصحابة بإذن الله ما لم يفعله ثلاثة عشر ألفاً من المسلمين المختلطين بالأعراب، وانظر كيف زين القراء وأصحاب سورة البقرة قرآنهم بالأفعال، وهذا هو التمايز الذي ننشده اليوم.


وتأمل في واقعنا المعاصر كيف كان أثر هذا التمايز طيباً في غزة الفرقان، نسأل الله تعالى لأهلها الثبات والتسديد، وقل مثل هذا في أسود الجهاد في إمارة طالبان أيدها الله تعالى وردَّها للأمة سالمةً غانمةً.


فإلى المجاهدين في السودان وفي العالم الإسلامي نقول: إن خيوط هذه المؤامرة قد حيكت، ولكن المعركة في السودان للتو قد بدأت، وليكن شمال السودان وجنوبه العدوة الدنيا والعدوة القصوى، وليتمايز أهل القرآن عن عبدة الصلبان، وإني والله لأشتم ريح مسيرةٍ جهاديةٍ تهب من قلب القارة السوداء لتعصف بأهل الصليب عاصفة نكراء، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:هذا حين حمي الوطيس...

وكتب/
د.وسيم فتح الله


الكاتب: د.وسيم فتح الله
التاريخ: 07/01/2011