همّام في غير زمـان / بقلمي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

~~
همام في غير زمان!
~~


يزعم أن رجلا من سلف هذه الأمة هو أول من اخترع آلة السفر إلى المستقبل!

وأن أول رجل سافر على هذه الآلـة شاب اسمه ( همام )


~


سافر ( همام ) إلى زمننا هذا

فما إن وطأت قدماه أرضنا ..


حتى سقط أرضا من هول ما رأى

.
.
.

رأى العجب العجاب ..

راح يتمايل بالمشي هنا وهناك ..

أسكرته الحضارة ..

أدهشه التقدم ..

عشق المستقبل!
.
.
.
ما هذا الذي أرى ..

أهذا بيتًا!

وهذه دابة ؟!

وهناك طيرًا بلا ريش!
.
.
.

من أين أبدأ ومتى سأنتهي ..

يا له من جمال أخّاذ ..

أهذه هي حقًا شبه الجزيرة العربية؟!

من صحراء قاحلة .. إلى جنّة مثمرة!

وراح يتراقص فرحا ..


فركن آلة الزمن تلك ...

وقرر أن لا يعود أبدًا لذلك الماضي القاحل كما وصفه!

~~

وبعد أن انتهى وأشبع نظره من روائع الحضارة ..

بدأ يشعر ببعض التعب والجوع ..
.
.

فانتبه أخيرًا للناس ..

وقال لعلي أجد من يستضيفني .. كريم من كرماء العرب ..

فيزوجني إمرأة من نسائهم .. لا شك أنهم ازدادوا كرما بل وجمالا ..

...
..


رأى من بعيد مكان مزدحم ..

وبثقة اتجه لذلك المكان ليبحث عن غايته هناك ..

فما إن مرّ بجماعة من الرجال .. حتى ابتسم إليهم نشوانا ..

فما كادت ابتسامته تغادر شفتيه حتى أتته صفعة أيقظته من نشوته !!

قال رجل من الجماعة: أتستهزء بي يا بدوي!

فرد ( همام ) مذهولًا .. !

ولماذا أستهزء بك يا رجل .. إنما ابتسم إليكم فقط

أوليس الابتسامة بصدقة عافاك الله!

فرد الرجل متهكما! ..

لسنا بحاجة لصدقاتك .. احتفظ بها لنفسك وابتاع لنفسك ملابس جديدة ومقص لهذه اللحية البالية!

فما إن سمع ( همام ) كلامه حتى أمسك بلحيته بكتلا يديه وهو ينظر يمنة ويسرى كأنه خائف أن تُسرق منه .. فقال

غضبانًا .. أويحلق الرجل لحيته؟! ..

فانتبه لهم وقال: ظننتكم ( مردان ) والله!

فرفع الرجل يديه ليصفعه مجددا فصرخ ( همام ) قائلا .. انتظر يا رجل واذكر الله .. ما جئتكم يا رجال العرب

محاربا إنما مسالما أسألكم حسن الضيافة لعابر سبيل أرهقه السفر!

فنظر إليه الرجل متعجبًا! وقال ..ما دخلنا نحن هل أشار إليك أحدهم أننا نعمل في بيت الزكاة؟!

فلم يفهم ( همام ) كلامه .. وقبل أن يسأله عن مقصده .. دفعه الرجل ومضى في طريقه مع أصحابه وهم

يضحكون ويتلامزون!

نظر إليهم ( همام ) وهزّ رأسه داعيا لهم بالشفاء منما ابتلاهم الله به!

حمد الله وواصل المسير ..

فانتبه ( همام ) لشيء حوله!

عاود النظر بمن حوله فما وجد إلا ..

مجموعة مردان!

فحوقل واسترجع ..

وقال .. لعلهم أتو بعمل أو فاحشة فأنزل الله عليهم العذاب وجعلهم مردان جميعا!

وبينما هو يحمد الله ويستغفره .. مر بجانبه رجل فأمسك ( همام ) بيده وقال له:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أخي!

فالتفت الرجل وصفعه صفعة أشد من صفعة الرجل الذي قبله وقال له

: اترك يدي يا قذر كيف تمسك يد إمرأة هكذا يا متخلف!

صعق ( همام ) !

إن لهذا الرجل صوت إمرأة!!

وما هي إلا ثوانِ حتى التف من حوله المردان وأوسعوه ضربًا ..

وبرحمة من الله هرب منهم مسرعًا واختبأ خلف جدار أحد البنايات الشاهقة وهو يردد أنفاسه بخوف!

فقال .. أعوذ بالله .. رجل بصوت إمرأة .. أم إمرأة بصورة رجل ما هذا!

فاسترجع مرة أخرى وقال .. يا الله .. أي عذاب نزل على هؤلاء القوم!

..

جلس على الأرض ليرتاح قليلا ليعاود البحث عن من يستضيفه..

ولكن أعياه التعب فغافله النعاس ونام على الأرض ..

فما هي إلا ساعة زمان حتى توقفت سيارة كبيرة أمامه ونزل منها رجال مدججين بالأسلحة والذخائر فالتفوا من

حوله وباغتوه وهم يصرخون...

"امسكووه إرهابي سيفجير المبنى .."

فاستيقظ ( همام ) صارخا:

"من؟؟ أين؟؟ أين؟!"

وإذا هو مكبل بالسلاسل وعشرة رجال يمسكون به من كل مكان فأدخوله السيارة وهبوا مسرعين وهو يسمعهم

يشتمون ويصرخون دون أن يفهم شيء .. وكلما أراد أن يتكلم صرخوا أكثر! .. ففزع (همام ) وارتعش خوفًا..

ولكن ..

ما إن قرأ ( همام ) ما كُتب على البوابة التي سيدخلها حتى تنفس الصعداء وقال:

" الحمد لله (( أمن الدولة )) .. وأخيرًا أنا بأمان!

.. فأي مكان سأجد خير من (أمن!) الدولة .."


.....



ادخلوه غرفة مظلمة .. وتركوه دون أن يكلموه!

فتعجب! ..


قال لعلهم ينتظرون أن أنام وأرتاح ثم نتجمع جميعًا للغداء!

وما إن همّ للنوم .. حتى دخل عليه ثلاث رجال

تقدم أحدهم فأجلسه بشدة وهو يصرخ به:



"قم يا إرهابي!"


فاندهش ( همام ) ..:

"أنا إرهابي؟! .. ومن أرهبت يا رجل .. أعتذر إن كنت أرهبتكم بلباسي هذا ولكني .."

وما كاد أن ينهي جملته حتى صعق بصفعة ثالثة أنسته الأولى والثانية .. فسأله أحدهم ..

"من ممولك وما خطتك وإلى من نتتمي!"

فقال غير مترددًا!

"أنا أمول نفسي .. وخطتي استكشاف بلدتكم وأنتمي لسلفكم!"

فقال الرجل قائمًا وهو يضرب بيديه على الطاولة ..:

" أها!جاسوس سلفي وهابي إرهابي من القاعدة!

اسجنوه!"

فسأله آخر.. "ما جنسيتك؟!"

فرد همام بعد أن عقد حاجبيه مستغربا.. "وما الجنسية؟"

قال الرجل .. "من أي بلد أنت؟"

قال همام .. "قلت لكم .. من سلف بلدتكم هذه!"

فرد الرجل! .. :

"صحيح! .. إذًا أنت طائفي!"

سكت همام بذهول وهو يسمع استنتاجاتهم .وينظر تارة لهذا وتارة لذاك. فقال أخيرا

"يا إخوتي .. إني أخ لكم .. ما جئتكم إلا بخير أبحث عن من يستضيفتي لبضع أيام!"

ودون أن يلتفتو لما قاله ..

أصدروا حكمهم بحزم ..!

"سنخضعك لاختبار "ولاء وبراء" .. فإن اجتزته أطلقنا صراحك .. وإلا فستثبت عليك تهمة الإرهاب والتفجير!"

رد همام فرحًا ..:

" وهل هناك أسهل من اختبار الولاء والبراء وعليه تربينا وبه نحيا ونموت؟"

وهل ستكرمونني إن اجتزت الاختبار؟

قالوا نعم!

....

فأتى أحدهم بورقـة وجلس خلف المكتب أمام همام المكبل بالسلاسل وراح يقرأ منها أسئلة الاختبار ..

فكان السؤال الأول ..:

((ذاتٌ لا تُمس بسوء لا بالقول ولا بالفعل .. وعلى من مسها عذاب شديد لا يُغتفر حتى إن بكى الرجل وتاب فإن

العذاب جزاءه لا محالة!))

ففكر همام لوهلة وسأل .. حتى إن تاب لا مغفرة؟!

قال الرجل نعم!

ردّ همام حائرًا.. :

ولكن الله غفور رحيم ويقبل التوبة ممن تاب!

فنظر إليه الرجل وقد قلب شفتيه بازدراء ثم قال:.. إذا لننتقل للسؤال الثاني!

((هو شعارنا ونقدسه لا نرضى بمن يدنسه إن مسه نجس أو قذارة على الجاني حكم يؤدبه!))

نفخ همام صدره وقال بثقـة: هو القرآن طبعا وما غيره؟!

فتنحنح الرجل وتنهد وقال .. لا بأس لا بأس بالسؤال الثالث نتفق ..

فأكمل الرجل يسأل :

((بماذا نهتدي وببلدنا نحتمي .. وإليه نتحاكم وبه نستنجد .. والمظلوم به يجد حقه .. والظالم به يحاسب .. ونُدرّسه

أبناءنا حتى إذا كبروا أدلاكوا أنهم بدونه لن يعيشوا إلا حياة جاهلية نكراء!؟))

فضحك همام وقال .. يا رجل ظننتها أسئلة صعبة ..

بالطبع هما القرآن والسنة .. هما النور الذي به نستنير ومن الفتن نستجير..

هزّ الرجل رأسه وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة وأعطى الورقة لرجل آخر يستنجد به ..

جلس الرجل الآخر فابتسم ابتسامة بلهاء وقال ..

نستأنف الاختبار يا همام ..

وهذه المرة بإذن الله ستثبت براءتك من الإرهاب!

وبرأفة منه سأله ببطء وهدوء .. لعله يفهم! :

((هم سواسية في الحقوق والواجبات ..

لا اختلاف بينهما لا في سواد ولا بياض ..

يجمعهما شيء واحد لا يفرقهما حتى الممات .. ؟))

فقال همام مبتهجًا.. الحمد لله !

إنه الإسلام والمسلمين .. ومن مثلهم متساوين .. وهم كالجسد الواحد والبنيان المرصوص؟ !

فمد إليه همام يده فرحا ليفك قيده ..

نظر إليه الرجال الثلاثة متعجبين ..

فتهامسوا فيما بينهم يتناقشون ..

فأعادوا إليه النظر وقال كبيرهم بعد أن مد يديه إلى المكتب ..

" سوف يتم إطلاق صراحك هذه المرة فقط بسبب جهالتك وسفاهتك ..

ولكن أي شكوى أو شكوك حولك سيكون السجن جزاءك ..

فأعطاه كتاب صغير وأكمل قائلا:

وأدرس هذا الكتاب جيدًا .. لتعيش عيش الأحرار في بلدنا هذه ..

اتبعه وتعلمه وستجده مليء بالحكم والمعرفة!

أما الآن فسنرجعك لمكانك الذي منه أخذت على أن لا نراك في مكان مشبوه مرة أخرى.

وبشغف وفضول أخذ همام الكتاب وكان أهم ما في الأمر أنه سيكون حرا مرة أخرى ..

أطلق صراح همام.. بعد أن أعاد عليه الرجل شروط حريته ..

نزل من السيارة وبدأ يبحث عن مكان يجلس فيه ليقرأ هذا الكتاب العجيب ..

وبينما هو يبحث إذ سمع هاتف من مكان ليس ببعيد ينادي :

" أيها السادة الكرام نبشركم أنه بفضل قواتنا البواسل لقد تم اليوم القبض على إرهابي خطير حيث كان تحت

مراقبتهم منذ زمن طويل واغتنموا رجالنا الفرصة ليقبضوا عليه قبل أن يقوم بتفجير منشآتنا العسكرية في

المنطقة.. وسيتم ترقية رجالنا الكرماء لأعمالهم الجليلة .... "

حدث همام نفسه قائلا .. قد سمعت كلمة إرهابي مائة مرة حتى الآن منذ وصولي!

وأخيرًا وجد مكان معزول هادئ ليقرأ فيه الكتاب ..

فبدأ يقرأ ..

وكلما قرأ صفحة استغفر الله وحوقل! وهو يغير جلسته ..

كأنه إذا غير جسلته سيجد كلام مغاير لما قرأه من قبل

وبعد صفحات قليلة مرهقة!

راح يمسح العرق عن جبينه ورفع رأسه يتلفت لعله يجد بين الناس من ينكر عليه قراءة مثل هذا الكتاب!

لعله كتاب محظور!

ولكن كيف وقد أهداه إياه رجل ال" أمن" ؟!

وبينما هو كذلك ..

إذ رأى إمرأة شبه عارية قد بدى له أن ملابسها سلبت منها ..

فما كان من همام إلا أن وثب وثبة واحده وألقى بعباءته على جسد تلك المرأة (المسكينة) وهو يصرخ ..

"واااإسلاماااه ... لقد سرق أعداء الله ملابس أخت الإسلام ... فحيّا على الجهاااااد !"

وقبل أن يكمل جملته أتاه المردان من كل مكان وهم يصرخون صرخة داوية..

"إرهاااابي .. اضربوووه ... !"

ففر همام هاربا ركض كما لم يركض من قبل ... وهو يتذكر وعده لرجال " الأمن" أنه لن يقوم "بإرهاب" أحد مرة

أخرى..!

ولا يعلم همام حتى تلك اللحظة لماذا كل تصرف يخرج منه يرهب هؤلاء المردان !

وبينما هو كذلك .. تذكر آلة الزمن .. وأسرع إليها لعله يستفيق من هذا الكابوس ..

وجدها .. وسافر عائدا لوطنه وماضيه ..

وفي ذلك الجانب كان مخترع الآلـة " حارث " ينتظره ..

قذفت آلة الزمن همام على أرض وطنه في بيت "حارث"

فقام همام يصرخ وينادي وقد سقطت عمامته على عينيه تحجب رؤيته ...

يا حارث يا حارث!

لقد عاد ... لقد عاد!

فرد " حارث " مذهولًا ...من الذي عاد؟!

إنه مسيلمة الكذاب! .. عاد لعنه الله وقد غير دين الله أتى بكتاب غير كتاب الله وشرع غير شرع الله!

فسكت همام لوهلـة وهو يعدل عمامته وقال:

أو لحظة انتظر!

لعل بلدتنا سوف تُغزى ويقتل جميع المسلمين!

أو ... لا !

لعلها الفتن .. تلك التي كقطع الليل المظلمة!

وراح يكلم نفسه وهو يحرك يديه ورأسه ..

و " حارث " يكلمه وهمام لا يرد عليه .. !

خرج همام مسرعًا .. وهو يتمتم بكلام غير مفهوم!

....


لم يره " حارث" مرة أخرى

ولكن بعد شهور مضت ...

علم حارث أن همام قد اتخذ منبرًا في وسط السوق ..

منبرا يروي فيه قصصا غريبة عجيبة للناس..!

حكايات عن مردان سيأتون .. رجالهم كنسائهم ونسائهم كرجالهم ..

وعن مكان يُسمى " أمن الدولة" لا أمن فيه ولا سلام ..

وكتاب يُقدّس أكثر من كتاب الله .. !


..


ومر وقت من الزمان ..

وصار همام يُدعى بـ همام الدجال ..!

يمشي بالأسواق يهذي ويجري خلفه الأطفال يقذفونه بالحجارة وهم ينشدون ..

"يا همام يا دجال ..

يا مجنون يا مخبول!"

وبعد أن سمع "حارث " بحال همام متأثرًا برحلته تلك ..

أتى بحجر كبير وقصد الآلـة فحطمها .. !

كما حطمت هي عقل همام.. !



~ تمت ~

..
.
.
.


قد أنجى حارث نفسـه ومن معه بتحطيمه تلك الآلـة ..

ولكن .. كيف سينجي من يعايش ذلك الزمان

زمن المردان؟

..

كتبته: أختكم التـّوحيـد


الكاتب: التـّوحـيـد
التاريخ: 21/08/2009