اسباب تخاذل الافكار والوقوع في الضلال في التقاعس عن مقاومة الاحتلال ...

 

أسبب تخاذل الافكار والوقوع في الضلال في التقاعس عن مقاومة الاحتلال ... بقلم محمد بن عبيد الهاجــــــري

إن المتأمل في حال المسلمين بالأخص عندنا في الكويت ليجد مفارقة وأمرًا عجبًا ، وذلك أن دولة الاستعمار " أمريكا " لما شنت الحرب على " أفغانستان " التهبت مشاعر المسلمين بحب المسلمين وموالاتهم ، وبكره الكافرين ومعاداتهم ، ولكنه لما أعيدت فصول المسرحية على العراق بل لما حدث الواقع المؤلم والحقيقة المرة " احتلال العراق " جعل ذلك البعض يصفقون ويطبلون فرحـــأ ..... فما هو السبب يا ترى ؟

لذا أردت بهذه الكلمات أن أسهم بدفع عجلة هذه الأمة إلى العزة والتمكين - وهو واقع لا محالة- بذكر أسباب تلك الأحوال للاستـفادة منها فيما يأتي من الأزمان ، حيث قد يحدث في المستقبل ومن يدري لعله قريب ؟! حوادث ووقائع تكون مشابهة لما وقع ، فيأخذ المسلم الحيطة والحذر مما يشوش عليه دينه من الفِكَر 0

السبب الأول : فشوّ الجهـــــــــــل :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذلك بالنسبة لعموم الناس ، أما من ينتسب للعلم فقد أُتي من عدم التأصيل العلمي ، وذلك أنه يحسب كثير من الناس ، أن كل من حصل على شهادة الماجستير أو الدكتوراه فقد تبوأ من العلم منزلة كبيرة ـ وهو في الواقع ليس بلازم ـ أو يحسب هو من نفسه العلم وهو ليس كذلك ، وفي الصحيحين من حديث أسماء مرفوعا " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " .

السبب الثاني : فتنة الوطنية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذلك أنه من المعلوم لدى الصغير والكبير أن حدود هذه الدول التي أفرزت الوطنية المغلوطة إنما هي من صنعة الاستعمار السابق ليمهد الطريق للاستعمار اللاحق ، والمسلم أيًا كان موطنه فهو أخ المسلم ، لا يسلمه ولا يخذله ولا يظلمه ، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم .

فإذا كان عوام الناس قد تأثروا بهذا السبب فليت شعري كيف يتأثر به حامل العلم ؟!! ، بل ليت شعري كيف يصيب الحق من لم يتجرد من المؤثرات حوله ؟!!

إن نبينا عليه الصلاة والسلام علمنا دعاءً عظيمًا كان يدعو به في قيامه لليل " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " فاللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك .

وقد فرض الله علينا دعاءً ندعو به في اليوم والليلة أكثر من خمسة عشر مرة " اهدنا الصراط المستقيم " بل لا تصح صلاة فرض ولا نفل إلا بسورة الفاتحة المشتملة على هذا الدعاء ، وقد بين ابن القيم رحمه الله في رسالته إلى أحد إخوانه حاجة العبد إلى الهداية فقال رحمه الله : " والعبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس ، في جميع ما يأتيه ويذره ، فإنه بين أمور لا ينفك عنها :

أحدها أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلا ، فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها ، أو يكون عارفا بالهداية فيها ، فأتاها على غير وجهها عمدًا ، فهو محتاج إلى التوبة منها.

أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علمًا ولا عملا ، ففاته الهداية إلى علمها ومعرفتها ، وإلى قصدها وإرادتها وعملها .

أو أمور قد هدي إليها من وجه دون وجه ، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها .
أو أمور قد هدي إلى أصلها دون تفاصيلها ، فهو محتاج إلى هداية التفصيل .

أو طريق قد هدي إليها ، وهو محتاج إلى هداية أخرى فيها ، فالهداية إلى الطريق شيء والهداية في نفس الطريق شيء آخر ، ألا ترى أن الرجل يعرف أن طريق البلد الفلاني هو طريق كذا وكذا ، ولكن لا يحسن أن يسلكه ، فإن سلوكه يحتاج إلى هداية خاصة في نفس السلوك ، كالسير في وقت كذا دون وقت كذا .

وأخذ الماء في مفازة كذا مقدار كذا ، والنزول في موضع كذا دون كذا ، فهذه هداية في نفس السير قد يهملها من هو عارف بأن الطريق هي هذه ، فيهلك وينقطع عن المقصود .

وكذلك أيضا ثَم أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي .

وأمور هو خال عن اعتقادِ حقٍ أو باطل فيها ، فهو محتاج إلى هداية الصواب فيها .

وأمور يعتقد أنه فيها على هدًى وهو على ضلالة ولا يشعر ، فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله .

وأمور قد فعلها على وجه الهداية ، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها ويرشده وينصحه ، فإهماله ذلك يفوت عليه من الهداية بحسبه كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح له باب الهداية ، فإن الجزاء من جنس العمل ، فكلما هدى غيره وعلمه هداه الله وعلمه فيصير هاديا مهديا ... " إلى آخر كلامه رحمه الله .

السبب الثالث : فتنة المنصب :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك أن المنصب الحكومي له متطلبات قد تتعارض أحيانا مع مقتضى الشريعة ، فقد يضطر صاحب المنصب ممن ينتسب للعلم إلى قول أو فعل ما يلائم تلك المكانة ، فيقدم متطلبات المنصب على حق الشريعة ، بل إنه قد يفعل ذلك تلقائيا بلا شعور حيث التأثر بالمؤثرات صفة يصعب التخلص منها إلا على من سار على درب الوحيين ، يلقي بحظوظ النفس وهواها على مؤخرة الرحل ويجعل الوحيان على مقدمته .

السبب الرابع : توهــــم المصلحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهذه الكلمة المسكينة ، يتحجج بها كثير ، ويتعذر بها جم غفير ، كلما حدثت حادثة أو وقعت واقعة ، قيل المصلحة تقتضي كذا ، والواقع يحتم ذاك ، وأما نصوص الوحيين فقد أهملت على جانب الطريق ، بل طوعت لأجل هذه المصلحة على أيدي الحذاق منهم .

وسبحان الله ... لو تريثوا قليلا ، لعلموا أنهم أخطئوا الطريق ، فهذه الكلمة قد أشبعها الأصوليون بحثا ، إلا أن البعض رضي أن يعارض الطوفي في رأيه للمصلحة نظريا ويتفق معه عمليا .

وذلك أن المصلحة ثلاثة أقسام :

الأول : ما شهد الشرع باعتباره فتقبل .

الثاني : ما شهد الشرع برده فترد.

الثالث : ما لم يشهد له الشرع باعتبار ولا رد .

وقد وقع الخلاف بين العلماء في هذا القسم ، وهو المصلحة المرسلة ، ومن قبلها منهم اشترط أن يكون لها جنس معتبر من الشرع . وعلى ذلك فكثير ممن يتحجج بالمصلحة في التقاعس عن الصدع بالحق في وجوب مقاومة االاحتلال حتى تخاذلت منه الأفكار أعني استعمار العراق ، لو نظرت في ما يدعيه من المصلحة لوجدت أنها من القسم الثاني التي قد خالفها الشرع فيكون حكمها الرد .

فضلا عن أن تكون من القسم الثالث الذي لا بد لقبوله أيضا من جنس معتبر من النصوص ، هذا وإن من يدّعم منهم مصلحته التي يقول بها بشيء من النصوص لو تفكرت فيها لوجدتها أبعد ما تكون عن مدلول كلامه ، بل ما يعارضها من النصوص أكثر منها بكثير وأصرح ، وهل التعارض بينها موجود إلا في عقل هذا المتخاذل ؟!!

السبب الخامس اختلاط المفاهيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن الامثلة على هذا الاختلاط ، أن ما أصاب أهل الكويت من غزو على يد نظام البعث ، مما جعل البعض لا يفرق بين بعثي ومسلم من أهل العراق في سبيل إشفاء غريزة الانتقام العمياء ، فيفرح بما يصيبهم من مصائب ، أو يرضى بأن تنهب بل تسرق بل تحتــــــل أرض الإسلام على أيدي الغزاة الصليبيين ، أو على الأقل لا يأبه بما يحدث حوله ما دام هو في رغد من العيش هنيء . هذا إن صدر من عوام الناس فلأن يصدر ممن ينتسب للعلم لهو الأمر الأشد الافظع

كتبه / محمد بن عبيد الهاجري
23 صفر 1424
25 / 4 / 2003هـ

الكاتب: الشيخ محمد بن عبيد الهاجري
التاريخ: 01/01/2007