وقفة مع المفتين في قضية الحكم بغير ما أنزل الله -

 

 وقفة مع المفتين في قضية الحكم بغير ما أنزل الله -

قضية الحكم بين الناس بغير ما أنزل الله مما ابتلي بها المسلمون في وقتنا الحاضر ، وهي من القضايا الحرجة والحساسة لتعلقها بالأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين ، والخطأ فيها خطير ، لأنه قد يُخرج فئة من المسلمين من دين الله ، أو يُلبس ما يخرج من الدين لباس الحلال والمباح ، أو يهونه في نظر الناس ،

 قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في مجموع فتاويه ( ج2 ص 117 ) : وهذه المسألة أعني مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل الكبرى التي ابتلي بها حكام هذا الزمان فعلى المرء أن لا يتسرع في الحكم عليهم بما لا يستحقونه حتى يتبين له الحق لأن المسألة خطيرة -نسأل الله تعالى أن يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم -كما أن على المرء الذي آتاه الله العلم أن يبينه لهؤلاء الحكام لتقوم الحجة عليهم وتبين المحجة ، فيهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، ولا يحقرن نفسه عن بيانه ، ولا يهابن أحداً فيه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. والله ولي التوفيق .ا هـ .

 وقد تجاذب أطراف هذه القضية مشايخ وطلبة علم معاصرون كثيرون وهدى الله تعالى الذين آمنوا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . والحكم والافتاء في هذه القضية يحتاج إلى معرفة صورها المتعددة الشائكة وتطبيقها على الواقع الذي نعشيه قبل الحكم والافتاء حتى لا تزل الأقدام وتنسب الأقلام إلى دين الله ما ليس منه

 قال ابن القيم رحمه الله في اعلام الموقعين ( ج1ص87 ) : ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجر فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه .....

 ثم ذكر أمثلة متعددة وقال : ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها ورسوله . اهـ .

وقال ايضا في (ج4ص192 ) : والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل اذا كان يجد السؤال محتملا وبالله التوفيق فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم ، فالمفتي ترد اليه المسائل في قوالب متنوعة جدا فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال والا هلك وأهلك ، فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف فصورةالصحيح والجائز صورة الباطل والمحرم ويختلفان بالحقيقة فيذهل بالصورة عن الحقيقة فيجمع بين ما فرق الله ورسوله بينه وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة فيفرق بين ما جمع الله بينه ، وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة انواع فيذهل وهمه الى واحد منها ويذهل عن المسئول عنه منها فيجيب بغير الصواب ، وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن فيتبادر الى تسويغها وهي من أبطل الباطل ، وتارة بالعكس ،

فلا اله الا الله كم ههنا من مزلة اقدام ومجال أوهام وما دعا محق الى حق الا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الانس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاء العقول وهم أكثر الناس وما حذر أحد من باطل الا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الانس فى قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له ،

 وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها الى الحقائق فهم محبوسون فى سجن الالفاظ مقيدون بقيود لعبارات كما قال تعالى: \"وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس و الجن يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون و لتصغى اليه افئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون \" سورة الانعام آية 112 ، وأذكر لك من هذا مثالا وقع في زماننا وهو ان السلطان..... الى آخر كلامه رحمه الله .

 فلابد من تناول قضية الحكم بغير ما أنزل الله بصورها المتنوعة حتى يتم الحكم عليها بالتفصيل ، حتى لانقع في الخطأ ونجانب الصواب .

ومن رحمة الله بعباده أن العلماء فصّلوا في صور الحكم بغير ما أنزل الله وبينوا أن منها صورا هي كفر مخرج من الملة ، ومنها صورا أخرى هي كفر غير مخرج من الملة فهي كفر دون كفر ، ولكن أي من هذه الصور تنطبق على واقعنا ؟ و يُفتى ويُحكم بها عليه ؟

 قال الشيخ صالح بن فوزان – حفظه الله – : قال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] ، في هذه الآية الكريمة أن الحكم بغير ما أنزل اللّه كفر ، وهذا الكفر تارة يكون كفرا أكبر ينقل عن الملة ، وتارة يكون كفرا أصغر لا يخرج من الملة ، وذلك بحسب حال الحاكم ، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل اللّه غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان بحكم اللّه ، واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه ، وأنه لا يصلح لهذا الزمان ، أو أراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر ، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ، ويسمى كافرا كفرا أصغر ، وإن جهل حكم اللّه فيه مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور ، وهذا في الحكم في القضية الخاصة ، وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف ،

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فإن الحاكم إذا كان ديّنا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار . وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار . وإذاحكم بلا عدل ولا علمِ أولى أن يكون من أهل النار ، وهذا إذا حكم في قضية لشخص ، وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين ، فجعل الحق باطلا ، والباطل حقا ، والسنة بدعة ، والبدعة سنة ، والمعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، ونهى عما أمر اللّه به ورسوله ، وأمر بما نهى اللّه عنه ورسوله ، فهذا لون آخر يحكُم فيه رب العالمين ، وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى والآخرة : { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } [ الفتح : 28 ] .اهـ ، من كتاب التوحيد ، الفصل السادس .

 وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في لقاءات الباب المفتوح ( 6 / 29 ) : . السؤال: فضيلة الشيخ! إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وأنه أفضل وأحسن من غيره، وإنما حكم بغيره لهوى في نفسه، وتقليداً لمن سبقه من الحكام، فهل يكفر بذلك كفراً مخرجاً من الملة جزاكم الله خيراً؟ الجواب: لا يكفر بهذا كفراً مخرجاً من الملة، وإنما يكون عاصياً، جائراً في الحكم، وعليه إثم العصاة والجائرين في الحكم، ولا يخرج عن الإسلام. وأما من حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم غير الله كحكم الله، أو أحسن منه، فهذا هو الذي يكفر.

ولهذا نرى أن الذين يضعون قوانين تخالف الشريعة ليحكم فيها بين عباد الله وفي عباد الله، نرى أنهم على خطر عظيم، سواء حكموا أو لم يحكموا، ونرى فرقاً بين شخص يضع قانوناً يخالف الشريعة ليحكم الناس به، وشخصٍ آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله؛ لأن من وضع قانوناً ليسير الناس عليه، وهو يعلم مخالفته للشريعة، ولكنه أراد أن يكون الناس عليه؛ فهذا كافر، ولكن من حكم في مسألة معينة يعلم فيها حكم الله، ولكن لهوىً في نفسه؛ فهذا ظالم أو فاسق، وكفره إن وصف بالكفر، فكفر دون كفر . ا هـ

فنحن أمام صور متعددة من صور الحكم بغير ما أنزل الله الأولى : صورة هي كفر دون كفر ولا يخرج صاحبها من الملة وإن كان قد وقع في الكفر العملي ، وهي صورة من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وأنه أفضل وأحسن من غيره وإنما حكم بغيره لهوى في نفسه وتقليدا لمن سبقه من الحكام ، وصورة ثانية وهي صورة من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن حكم غير الله كحكم الله أو أحسن منه أو يجوز الحكم به فهذه هي كفر مخرج من الملة ، وهاتان الصورتان قد اتفق علماء أهل السنة على القول بهما .

وهناك صورة أخرى هي التي وقع الخلاف والشقاق فيها بين بعض العلماء ، وحصل الخلط واللبس بينها وبين الصور الأخرى ، وهي التي ينطبق عليها كلام ابن القيم المذكور سالفا في أن المفتي قد ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدا فإن لم يتفطن لحقيقة المسألة وإلا هلك وأهلك ، وهي التي لا يتمكن المفتي من الفتوى بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر ، هذه الصورة هي صورة التشريع العام الذي ابتلي به المسلمون في وقتنا الحاضر ،

 قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في مجموع فتاويه ( 2 / 115) بعد أن سئل هل هناك فرق في المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً؟ فأجاب بقوله : نعم هناك فرق فإن المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يتأتى فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط ، لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه.

 والحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين : أحدهما:

أن يستبدل هذا الحكم بحكم الله -تعالى - بحيث يكون عالماً بحكم الله، ولكنه يرى أن الحكم المخالف له أولى وأنفع للعباد من حكم الله ، أو أنه مساو لحكم الله ، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فيجعله القانون الذي يجب التحاكم إليه فمثل هذا كافر كفراً مخرجاً عن الملة لأن فاعله لم يرض بالله رباً ولا بمحمد رسولاً ولا بالإسلام ديناً وعليه ينطبق قوله - تعالى-: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) وقوله - تعالى -: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وقوله -تعالى-: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم . فكيف إذ توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم . ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) ولا ينفعه صلاة ، ولا زكاة ، ولا صوم ، ولا حج ؛ لأن الكافر ببعض كافر به كله قال الله ـ تعالى-: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة .

وقال سبحانه : (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً).النساء . الثاني: أن يستبدل بحكم الله - تعالى - حكماً مخالفاً له في قضية معينة دون أن يجعل ذلك قانوناً يجب التحاكم إليه فله ثلاث حالات : الأولى: أن يفعل ذلك عالماً بحكم الله-تعالى - معتقداً أن ما خالفه أولى منه وأنفع للعباد ، أو أنه مساو له ، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فهذا كافر كفراً مخرجاً عن الملة لما سبق في القسم الأول.

الثانية : أن يفعل ذلك عالماً بحكم الله معتقداً أنه أولى وأنفع لكن خالفه بقصد الإضرار بالمحكوم عليه أو نفع المحكوم له ، فهذا ظالم وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله - تعالى- : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون). الثالثة : أن يكون كذلك لكن خالفه لهوى في نفسه أو مصلحة تعود إليه فهذا فاسق وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله تعالى -: (ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الفاسقون).اهـ .

وقال الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله في فتاويه ( 12 / 301 ) : \" الخامس \" وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ومضاحاة بالمحاكم الشرعية إعدادا وإمدادا و أرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلاً وتزيغا وحكما وإلزاما ومراجع مستمدات فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسول (صلى الله عليه وسلم ) فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة في القانون الفرنسي والقانون الأمريكي والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ومن مذاهب بعض المدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك فهذه المحاكم الان في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الابواب والناس إليها أسراب إثر أسراب ، يحكم بينهم بما يخالف السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرهم وتحتمه عليهم فأي كفر فوق الكفر وأي مناقضة لشهادة أن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة ؟!! وذكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة لا يحتمل ذكرها هذا الموضع اهـ .

 وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان عند تفسيره لآية سورة الكهف رقم 26 قال : وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور : أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته ، وأعماه عن نور الوحي مثلهم . اهـ .

 وقال ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لآيات سورة المائدة : وقوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير . اهـ .

وبهذه النقولات التي نقلتها من كلام العلماء يتبين أن هذه الصورة وهي صورة التشريع العام ليس لها حكم غيرها من صور الحكم بغير ما أنزل الله لما فيها من المعاندة للشرع والمكابرة لأحكامه والمشاقة لله ورسوله ، ومن جعلها كالصور الأخرى فقد أخطأ ،

 قال الشيخ ابن عثيمين في لقاءات الباب المفتوح ( 87/10 ) :

 السؤال: فضيلة الشيخ، يقول أكثر أهل العلم: إن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا كان لا يستحل الحكم بغير ما أنزل الله، ويعلم أن حكم الله خير من حكم غيره فهو لا يكفر إلا بشرط الاستحلال.

فما هو الدليل على أنه لا يكفر إلا أن يكون مستحلاً لذلك؟ وإذا كان الاستحلال لا يكون إلا في القلب باعتقاد الشيء حله من حرامه فكيف لنا أن نعرف أن هذا مستحل أو غير ذلك؟ جزاكم الله خيراً!

الجواب: أولاً: بارك الله فيك، لا بد أن نعلم أن معنى تكفير الإنسان نقله من الإسلام إلى الكفر، ويترتب على هذا أحكام عظيمة، من أهمها: استباحة دمه وماله، وهذا أمر عظيم لا يجوز لنا أن نتهاون به، مثلاً: لو قلنا هذا حلال وهذا حرام بغير علم أهون مما إذا قلنا: هذا كافر وهذا مسلم بغير علم.

 ومن المعلوم أن التكفير والإسلام إنما هو إلى الله عز وجل، فإذا نظرنا إلى الأدلة وجدنا أن الله وصف الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف؛ فقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، ووصف الحكم بغير ما أنزل الله بالجهل،

 فقال: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]،

فلابد أن نرى مخرجاً من هذه الأوصاف التي ظاهرها التعارض، ولا مخرج لنا في ذلك إلا أن تطبق على القواعد الشرعية. فمثلاً: إذا جاءنا رجل ورفع الحكم الشرعي وأحل بدله قوانين تخالف ما أنزل الله على رسوله، فهذا لا شك أنه مستحل؛ لأنه رفع الحكم نهائياً ووضع قانوناً من وضعه أو من وضع من هو أسوأ حالاً منه، فهذا كافر؛ لأن رفعه للأحكام الشرعية ووضع القوانين بدلها يعني أنه استحل ذلك،

لكن يبقى عنه: هل نكفر هذا الرجل بعينه، أو ننظر حتى تقوم عليه الحجة؟ لأنه قد يشتبه عليه مسائل الأمور الدنيوية من مسائل الأمور العقدية أو التعبدية، ولهذا تجده يحترم العبادة ولم يغير فيها، فلا يقول مثلاً: إن صلاة الظهر تأتي والناس في العمل نؤجلها إلى العصر، أو صلاة العشاء تأتي والناس محتاجون إلى النوم والعشاء نقدمها إلى المغرب مثلاً، يحترم هذا، لكن في الأمور الدنيوية ربما يتجاسر ويضع قوانين مخالفة للشرع، فهذا من حيث هو كفر لا شك فيه؛ لأن هذا رفع الحكم الشرعي واستبدل به غيره، ولكن لا بد أن نقيم عليه الحجة، وننظر لماذا فعلت ذلك؟ قد يلبس عليه بعض العلماء الذين هم علماء دولة، ويحرفون الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، فيقولون مثلاً: إن مسائل الدنيا اقتصادياً وزراعياً وأخذاً وإعطاءً موكول إلى البشر؛ لأن المصالح تختلف، ثم يموهون عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)

وغالب الحكام الموجودين الآن جهلة، لا يعرفون شيئاً، فإذا أتى إنسان كبير العمامة طويل الأذيال واسع الأكمام وقال له: هذا أمر يرجع إلى المصالح، والمصالح تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، ولا بأس أن تغيروا القوانين التي كانت مقننة في عهد الصحابة وفي وقت مناسب إلى قوانين توافق ما عليه الناس في هذا الوقت، فيحللون ما حرم الله،

 ويقولون مثلاً: الربا نوعان: ربا الاستثمار، وربا الاستغلال، فالأول جائز والثاني حرام، ثم يقولون: اكتب هذه المادة. فيكون هذا جاهلاً، لكن إذا أقمنا عليه الحجة وقلنا: هذا غلط، وهذا خطأ وتحريف من هذا العالم الذي غرك، ثم أصر على ما هو عليه؛ حينئذ نحكم بكفره ولا نبالي.

 فالحاصل: أن العلماء رحمهم الله قسموا هذا التقسيم من أجل موافقة هذه النصوص المطلقة للقواعد الشرعية المعلومة.اهـ .

 فرحم الله الشيخ ابن عثيمين رحمة واسعة على هذا التفصيل والتقسيم الذي تجتمع به الأدلة وتتوافق النصوص ويتبين منهج أهل السنة والجماعة في هذه القضية الخطيرة .

ولعل من جعل صورة التشريع العام كغيرها من الصور ظن أنه بفعله هذا سيغلق الباب على المتسرعين في تكفير الناس ، ونسي أنه بفعله هذا خلط الأمور وفتّر الهمم في العودة إلى حكم الله ووسع الهوة بين حياة الناس وبين الحكم بما أنزل الله ، لأن الناس – حكاما ومحكومين – إذا رأوا أن القضية قضية معصية وليست كفرا لم يجتهدوا الاجتهاد المطلوب لتغيير الواقع والحال ، وهذا ما حدث ! وتشجع دعاة الأرجاء في نشر باطلهم وتثبيط الناس محتجين بفتاوى من جعل صورة التشريع العام كغيرها من الصور .

 فعلينا أن نقول الحق ولا نخاف في الله لومة لائم حتى تتضح الرؤية ويهلك من هلك عن بينة ويحيى من يحيى عن بينة

كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : كما أن على المرء الذي آتاه الله العلم أن يبينه لهؤلاء الحكام لتقوم الحجة عليهم وتبين المحجة ، فيهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، ولا يحقرن نفسه عن بيانه ، ولا يهابن أحداً فيه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. والله ولي التوفيق .اهـ .

والحق أبلج لا يستطيع أن ينال منه دعاة الضلالة والارجاء . فلا يصح أن نجعل حكم صورة من حكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة إتباعا لشهوة أو لغيرها كحكم من فرض الحكم بغير ما أنزل الله فرضاً وجعله نظاماً عاماً يحميه ويدافع عنه بقوة السلاح والجيش ، ونحن لم نؤمر أن ننقب في قلوب الناس ، بل أمرنا أن نأخذ بظواهر أفعالهم وأقوالهم ونحكم عليها بما تقتضيه الشريعة بحكمنا الذي هو قائم على قواعد الدين والإيمان ، ويوم القيامة يحكم فيهم الملك الحق تعالى بالحكم العدل

 ،قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في سلسلة لقاءات الباب المفتوح ( ح 163 ص 21 ) بعد أن سئل عن السؤال : ما رأيكم في قول من يقول: إن عقيدة أهل السنة في قاعدة: إن المسلم لا يكفر بذنبٍ ما لم يستحله أنها على إطلاقها، وأنه لا يوجد ذنبٌ يكفر صاحبه ويخرجه عن الملة ولو كان سجوداً لقبر -مثلاً- أو الطواف به أو الاستهزاء بدين الإسلام ونحو ذلك من الذنوب؟

 الجواب: نرى أن أسباب الكفر متعددة، منها: أن يعتقد جواز السجود لغير الله وإن لم يسجد فهو كافر،

 ومنها: أن يسخر بالإسلام ولو هازلاً فإنه كافر، وهذا دل عليه القرآن: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)[التوبة:65-66].

ونرى أن من الأفعال ما هو كفر يحاسب عليه الإنسان محاسبة الكافر، ويعامل في الدنيا معاملة الكافر، وفي الآخرة حسابه على الله، فلو رأينا رجلاً سِجد لصنم ِحكمنا بكفره، وقلنا: إنه كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل،

حتى لو قال: أنا ما أردت السجود -سجود الذل والخضوع- لكن أردت سجود التحية مثلاً، نقول: نحن لا يهمنا هذا، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). كذلك أيضاً من الأعمال ما تركه كفر؛ كالصلاة مثلاً، الصلاة من تركها حكمنا بكفره عيناً،

ولا نقول: من ترك الصلاة عموماً فهو كافر، نقولها كذلك، لكن أيضاً إذا رأينا شخصاً لا يصلي حكمنا بكفره واستحلال دمه، إلا أن يتوب ويرجع إلى الله.

 فالمهم أن هذه القاعدة التي ذكرت ليس على إطلاقها؛ لأننا لو قلنا: إنه لا كفر إلا باستحلال ما بقي كفرٌ عملي، ولأن الاستحلال بنفسه كفر، إذا استحل الإنسان شيئاً مجمعاً على تحريمه فهو كافر سواء فعله أم لم يفعله، فلو أن أحداً استحل الزنا مثلاً أو استحل الربا في غير مواضع الخلاف لقلنا: هذا كافر.اهـ .

 فعلى العلماء تبيان الحق والحكم بما تقتضيه الشريعة في المسائل الواقعة ، وفي الآخرة حساب العباد على الله ، فهذا هو واجب العلماء الذي أخذ الله تعالى الميثاق عليه ، قال تعالى في سورة آل عمران : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187).

وأخشى ان طال بالناس زمان وسكت العلماء في تبيان الحق أن يتحقق فينا قول ابن القيم – رحمه الله – حيث قال في كتابه الفوائد : لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة فى قلوبهم وكدر فى افهامهم ومحق فى عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها منكرا .اهـ (ج1 ص 48 ) .

 وقد يحتج محتج أن من علماء السلف المعاصرين من قال أن صورة التشريع العام هي كفر لا يخرج من الملة خلاف ما ذكرت عنه من العلماء ، فأقول أن الحق أحق أن يتبع ، والحق ضالة المؤمن ،

 قال ابن القيم رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين عند مسألة أطفال المشركين وحكمهم في الاخرة (ج1 ص582 ) قال : وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة ولا سبيل إلى دفعها وسيأتي إن شاء الله فصل النزاع في هذه المسألة والقول بموجب هذه الحجج الصحيحة كلها على أن عادتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه ونلقى الله به ولا حول ولا قوة إلا بالله . اهـ .

وأخيرا أود أن أذكر بضرورة التفريق بين قولنا أن هذا كفر مخرج من الملة وبين إيقاع الكفر على الشخص المعين ، فإن إيقاع الكفر على الشخص المعين له شروط : من تحقق اسباب الكفر فيه وإنتفاء موانعه وإقامة الحجة عليه وغيرها ، وكذلك لابد من التفريق بين كفر الحاكم وجواز الخروج عليه فان لذلك شروطا كما بين ذلك علماؤنا ومر بنا من كلا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله السابق ، وعلى المسلم دائما- خصوصا عند اختلاف الناس- أن يدعو بدعاء النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان يستفتح به قيام الليل

 كما رواه مسلم رحمه الله : « اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ». والله أعلى وأعلم فإن أصبت فمن الله تعالى وحده وله الفضل في ذلك ، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان واستغفر الله وأتوب إليه . ملاحظة : جميع الترقيمات للصفحات والاجزاء هي موافقة لترقيمات المكتبة الشاملة غفر الله وعفى عن صاحبها .

 خالد بن صالح


الكاتب: خالد بن صالح
التاريخ: 27/04/2009