فتوى في حكم دفع الزكاة للمجاهدين الشيخ سليمان بن ناصر العلوان

 

فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان - حفظه الله تعالى -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد...
أود أن أسأل فضيلتكم عن حكم إخراج زكاة المال للمجاهدين في فلسطين المغتصبة؟
وأسأل الله أن يوفقكم، وأن يسدد خطاكم.

* * *


بسم الله الرحمن الرحيم


الجواب:

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

إن دين المسلمين، والشرع الحكيم، أولى المال عناية فائقة، وكان محل اهتمام العلماء، وجاء في ضمن إطار الضروريات الخمس، التي اتفقت الرسل والشرائع على المحافظة عليها: وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

ولا عجب في ذلك فهو عصب الحياة، وقيام البشرية، ومن أكبر الموارد الجهادية بل هو ثلثها، قال النبي صلى الله عليه وسلم (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه الإمام أحمد في مسنده (12246)، وأبو داود (2504) والنسائي (3098) من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس.

وجاء تقديمه على النفس في غير ما آية قرآنية:(وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، (لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ).

وإن المتأمل للآيات القرآنية يجد أن المال مقدم على النفس في كل آي القرآن سوى موضع واحد، وهو قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) وهذا يدل على عظيم أمر الجهاد بالمال، وأنه يجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، وقد يكون - في وقت - الجهاد بالمال أهمَّ وآكد من الجهاد بالنفس، فإن الجهاد يتطلب أموالاً باهضة، ونفقات هائلة، وثروات طائلة لا سيما في عصرنا الراهن، ووقتنا الحالي، فإن الجيش يحتاج إلى تغطية نفقاته المختلفة ومشاريعه المتعددة، ولذلك شرع الإسلام موارد مالية لهذا الغرض العظيم، والوظيفة العظمى، والمهمة الكبرى، وعَدَّدَ تلكم الموارد ؛ لكي تظل الأموال تتدفق على القوة العسكرية بجزالة وسخاء وفاءً بجميع متطلباته، كي لا تضعف ميزانية الجيش، والتي متى ما ضعفت كانت عاملاً كبيراً لضعف القوة العسكرية الإسلامية، وعجزها، بل وهزيمتها ومن ثم تختل قوة الإسلام، وتقوى قوة الكفر، ولا يقتصر ذلك على جهاز الجيش وقواته فقط، ولكن تمتد لتتناول كيان الأمة كلها في مواجهة عدوّها الداخلي أو الخارجي ولأجل ذلك جاءت السياسة الشرعية، والكفيلة بمصالح العباد في جميع شؤونهم الحياتية بتعدد الموارد المالية لجميع احتياجات الجيش ومتطلباته، الذي هو الكفيل بعد توفيق الله تعالى وتسديده بأن يسد أي نافذة تُنفذ منها إلى كيان الأمة، أو درعها الحصين.

وتواترت نصوص الكتاب والسنة تواتراً قطعياً على وجوب بذل الأموال للجهاد والمجاهدين، حفظاً للأمن والاستقرار، ونشراً للوعي الإسلامي، والدين الحنيف، فقال الله تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وقال تعالى:(انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز، قال: ائت فلاناً فإنه قد كان تجهز فمرض، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئاً، فوالله لا تحبسي منه شيئاً فيبارك لك فيه). أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1894) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس رضي الله عنه 0

وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه، جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1892) من طريق الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه 0

وقد كان للصحابة المنتخبين، والأئمة المهديين، قصبُ السبق في العمل بهذه النصوص، وكانت لهم اليد الطولى في بذل أموالهم ابتغاء مرضاة الله تعالى ؛ فلهذا نالوا المقامات العالية، والفضائل السامية، وفازوا بأشرف الرتب.

وحين دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة، تصدق أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله، رواه البخاري في صحيحه معلقاً مجزوماً بصحته، ووصله أبو داود في سننه (1678) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك ما لاً عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله . قال: وجاء أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً).

وهذا ذو النورين، وشهيد الدار عثمان بن عفان رضي الله عنه لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تجهيز جيش العسرة، سارع هو إلى تجهيز ذلك الجيش، فروى البخاري تعليقاً مجزوماً به من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن: (أن عثمان رضي الله عنه حيث حوصر، أشرف عليهم، وقال: أنشدكم الله - ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر رومة فله الجنة، فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزته، قال: فصدقوه بما قال).

ورواه أبو عبد الرحمن النسائي في سننه (3184) موصولاً من طريق عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن يحدث عن عمر بن جاوان، عن الأحنف بن قيس قال: (خرجنا حجاجاً فقدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد، وإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، فإنا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان .... الحديث)، وفيه: (.... قال - عثمان بن عفان -: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو! أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له - يعني جيش العسرة - فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالاً ولا خطاماً؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد).

وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه، قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله متفق على صحته من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك 0

ولا زال علماء الإسلام من كل مذهب على مر العصور وتصرم الدهور يصرحون بمشروعية دفع المال من زكوات وصدقات للجهاد والمجاهدين.

قول الأحناف:

قال في حاشية ابن عابدين (2/343): (قوله وهو منقطع الغزاة؛ أي الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو الدابة أو غيرهما، فتحل لهم الصدقة وإن كانوا كاسبين إذ الكسب يقعدهم عن الجهاد).

قول المالكية:

وقال ابن العربي في أحكام القرآن (2/969): (قال مالك: سبل الله كثيرة ولكني لا أعلم خلافاً في أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو من جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج.

والذي يصح عندي من قولهما أن الحج من جملة السُبل مع الغزو، لأنه طريق بر، فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر . . .

وقال محمد بن عبدالحكم: يعطى من الصدقة في الكراع والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة، لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته وقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة.

قول الشافعية:

قال النووي في روضة الطالبين (2/326): (فرع هل يدفع إلى ابن السبيل جميع كفايته، أو ما زاد بسبب السفر؟ وجهان، أصحهما الأول.

فرع؛ وأما الغازي، فيعطى النفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع، ومدة المقام في الثغر وإن طال، وهل يعطى جميع المؤنة أم ما زاد بسبب السفر؟ فيه الوجهان كابن السبيل، ويعطى ما يشتري به الفرس إن كان يقاتل فارساً، وما يشتري به السلاح وآلات القتال، ويصير ذلك ملكاً له، ويجوز أن يستأجر له الفرس والسلاح، ويختلف الحال بحسب كثرة المال وقلته، وإن كان يقاتل راجلاً فلا يعطى لشراء الفرس).

وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام - بعد أن جمع قطز أحد سلاطين المسلمين في مصر آنذاك، القضاة والفقهاء، يستشيرهم في تحرك التتار نحو بلاد الشام -: (إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص المذهبة، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا، وانفض المجلس على ذلك . ...) وكان الاعتماد على ما يقوله العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى [النجوم الزاهرة، في أحداث سنة 657، 7/72-73].

قول الحنابلة:

قال ابن قدامة في المغني: (كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في الآية على ذلك، لأن الظاهر إرادته به لأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب، والغارمين لقضاء ديونهم، أو ممن يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين ...).

وقال في الشرح الكبير (2/713): (مسألة ؛ والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، فيدفع إليه قدر كفايته، وشراء السلاح والفرس إن كان فارساً، وحمولته ودرعه وسائر ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، لأن الغزو إنما يحصل بذلك).

وقال في غاية المنتهي وشرحه: (يجوز للإمام أن يشتري من مال الزكاة فرساً ويدفعها لمن يغزو عليها، ولو كان الغازي هو صاحب الزكاة نفسه، لأنه بريء منها بدفعها للإمام، كما يجوز له أن يشتري منها أيضاً سفناً ونحوها للجهاد لأنها من حاجة الغازي ومصلحته، وكل ما فيه مصلحة للمسلمين يجوز للإمام فعله لأنه أدرى بالمصالح من غيره) [مطالب أولي النهى: 2/147-148] 0

آراء الأئمة المجتهدين:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (28/274): (على الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في أهل الزكاة "وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ"؛ وهم الغزاة، الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيعطون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، من خيل وسلاح ونفقة وأجرة).

وقال أيضاً رحمه الله تعالى في الفتاوى (28/421): (ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته، وسفه نفسه، وحرم حظاً عظيماً من الدنيا والآخرة، إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى، كالمريض والفقير والأعمى وغيرهم، وإلا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز بماله، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا"، ومن كان قادراً ببدنه وهو فقير فيأخذ من أموال المسلمين ما يتجهز به سواء كان المأخوذ زكاة، أو صلة، أو من بيت المال أو غير ذلك، حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع، أو رهون، أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينفقها في سبيل الله، فإن ذلك مصرفها).

وقال تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد (3/558) في الكلام على فوائد غزوة تبوك: (ومنها: وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدماً على الجهاد بالنفس في كل موضع، إلا موضعاً واحداً وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من جهز غازياً فقد غزا"، فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الواجب بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعدد والعُدد، فإن لم يقدر أن يكثر العَدد، وجب عليه أن يمد بالمال والعُدة، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن، فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى).

وقال الشوكاني في السيل الجرار (2/59): (قوله؛ "وفي سبيل الله المجاهد الفقير"؛ أقول – الشوكاني - قد عرفناك حديث أبي سعيد المذكور قريباً فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر فيمن اشتمل عليه، ومن جملتهم الغازي كما سبق، وفي لفظ منه؛ "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه").

وقال صديق حسن خان على هذه الآية في فتح البيان (4/151): (هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء. فالسنة قد دلت على أنه يصرف على هذا الصنف مع الغنى، والقرآن لم يشترط فيه الفقر فلم يبق ما يوجب هذا الاشتراط بل هو مجرد رأي بحت، فيصرف إليه ما يحتاجه في الجهاد من سلاح ونفقة وراحلة، وإن بلغ أنصباء كثيرة، ولا وجه لاشتراط الإيمان، بل كل مسلم مصرف لذلك إذا بذل نفسه للجهاد، ولاسيما إذا كان له شجاعة وإقدام فإنه أحق من المؤمن الضعيف).

وهذه النقولات عن الأئمة والعلماء من كل مذهب، يؤكد بعضها بعضاً، في وجوب دفع الزكوات والصدقات للمجاهدين سواء في فلسطين المحتلة أو الشيشان أو أفغانستان أو كشمير أو الفلبين أو غير ذلك من بلاد المسلمين التي تسلط عليها الأعداء فقتلوا رجالاتهم، واستباحوا نساءهم، وشردوا أطفالهم، وهدموا بيوتهم ومساكنهم.

والذين يمتنعون عن بذل الزكوات والصدقات في وقت محنة المجاهدين، ووقت تطاير الرؤوس وتقطع الأشلاء، يُعَدُّون من الذين يكنزون أموالهم، وهذا ذنب كبير.

فالصليبيون المعتدون، واليهود المجرمون، يَفْرُونَ في دماء المسلمين فري الذئب على فريسته، وليس هذا بغريب على تاريخهم الأسود، وسياستهم الرعناء، فتاريخهم مليء وناصع بمثل هذه الأعمال الوحشية، وسياستهم قائمة على العنف والتهور، نتيجة البغض والحنق للمسلمين، وقد كشف القرآن الكريم منذ قرون من الزمن مدى ما تكنه صدورهم من البغض للمسلمين، وما تنطوي عليه ضمائرهم من العداوة للإسلام.

وإنما الغريب أن نضن على المجاهدين بدراهم معدودة، ونخذلهم وقت محنتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان حقيقة الأخوة الإيمانية: (ولا يخذله) رواه مسلم في صحيحه (2564) من طريق داود بن قيس، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (ليس المؤمن الذي يأكل وجاره جائع).

أولئك الذين تمزق أشلاؤهم، وتشرد أطفالهم وتدك عليهم بيوتهم، فهذا وقت التضحيات والبذل والإنفاق.

(وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ)، (قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ).

وقال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في المحلى (4/282) - على قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ... الحديث)، متفق عليه من طريق الليث، عن عقيل، عن سالم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما - قال: (من تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه).

فالصليبيون والصهاينة يرصدون الأموال الطائلة، ويخزنون الأسلحة الفتاكة من أسلحة الدمار الشامل ونحوه للفتك بالمسلمين، والقضاء على دينهم وقيمهم، (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

والرايات الجهادية في هذا العصر، عصر التكنلوجيا، عصر أسلحة الدمار الشامل في إخفاق شديد من الموارد المالية، ويعانون إعصاراً شديداً من قلة القوة العسكرية اليوم.

ونحن نستحث المسلمين على مناصرة المجاهدين، والوقوف في صفهم، وبذل المال لمواصلة المسيرة، ومصارعة قوى الكفر، ورفع رايات التوحيد، وتثبيت دور المسلمين الحضاري في العالم، وإن المسلم - بعيداً عن الإنفاق في مواطنه - لن يكون إلا لقمة سائغة للصليبيين.

أخوك؛ سليمان بن ناصر بن عبد الله العلوان
26/12/1423 هـ


الكاتب: ابن الخطاب الإماراتي
التاريخ: 07/01/2009