حماس وتطبيق الشريعة الإسلامية

 

حماس وتطبيق الشريعة الإسلامية


أقرأ في كثير من المواقع الإعلامية على الشبكة العنكبوتية، مقالات وتعليقات، يوجّه أصحابها انتقادات لاذعة لحركة حماس، متهميها بأنها لا تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، وتطبّق القوانين الوضعية بدلا من القوانين الإسلامية في قطاع غزة. وقد لاحظت أن بعض هذه الأسئلة التي تُطرَح وجّهها أعضاء في الشبكة إليّ، سواء من زاوية تبنّيها لذلك، أو من زاوية نقلها لما يتم تداوله من قبل بعض الإسلاميين، والغريب أنه في الوقت الذي يقال إن حماس لا تطبّق الشريعة الإسلامية، يتهمها بعض العلمانيين واليساريين، بأنها تقيم "إمارة إسلامية" أو أنها شرعت في إقامة هذه الإمارة!
وقبل توضيح هذه القضية، أود أن أشير إلى ملاحظتين أساسيتين، هما :
1-لاحظت أن معظم المنتقدين،هم من الناشئة والأغرار، الذين يفتقرون إلى العلم الشرعي، ولكنهم ينصّبون أنفسهم"مفتين"يصدرون الفتاوى،وهم لا يحوزون شروطها، ولا يتقيّدون بضوابطها.
2-إن معظم هؤلاء، يتحدثون بلغة تفتقر إلى أصول الحوار وآدابه، وفيها اتهام لحركة جهادية تقف حجر عثرة أمام المشرع الصهيوني، لذا على هؤلاء أن يتعلّموا أدب التخاطب والحوار مع العلماء والدعاة والمجاهدين، قبل أن يوجّهوا نصائحهم وآراءهم لهم.

مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية، وإمكانية ذلك:
لا بد أن نحرّر أولا مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية، قبل الدخول في نقاش هذه القضية المهمة. فحركة حماس هي حركة مقاومة، مرجعيتها الفكرية والفقهية والقانونية، هي المرجعية الإسلامية، وهي بهذا المعنى ملزمة إذا كان الأمر بيدها، ترجمة ذلك في سياساتها، وتوجهاتها، سواء على صعيد الحركة، أو إذا كانت في مواقع اختارها الناس لتقودهم فيه.
أما على صعيد الحركة، فأنظمتنا ولوائحنا وقوانيننا تنسجم ولا تتعارض مع المرجعية الإسلامية، سواء على الصعيد النظري أو العملي.
وأما على صعيد قطاع غزة ، الذي قدّر الله سبحانه وتعالى أن تكون حماس في موقع قيادته وإدارته، فلا بد من الإشارة إلى الملاحظات التالية:
1-حماس لا تفهم تطبيق الشريعة الإسلامية، على أنها تطبيق للحدود الشرعية فقط. لذا فإنها تحرص ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، أن تنشئ ما يمكن بتسميته المجتمع "المؤمن"و"الملتزم"، وهي تعتمد في ذلك منهجية التدرج، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن يرصد ما يجري في القطاع يمكنه تلمّس ذلك بشكل واضح، والأمثلة على ذلك كثيرة لا مجال لذكرها.
2- تطبيق الشريعة بمفهومها الشامل والكامل، لا يمكن أن يتم إلا بحصول "التمكين" الذي يترجم في العصر الحالي بما يسمى ب "الدولة ذات السيادة الكاملة"وحماس تدير وضعا استثنائيا في قطاع غزة، الذي تشكّل مساحته 1.5% فقط من أرض فلسطين التاريخية، والذي لا يملك بوضعيته الحالية مؤهلات الدولة، فضلا عن أنه يقع تحت الحصار برا وبحرا وجوا.
وأهل العلم يقولون: إنه لا يمكن أن يجب المسبّب، إلا بعد وجود السبب، فسبب وجوب الصلاة هو دخول الوقت، وسبب تطبيق الشريعة الإسلامية، وجود المسبّب وهو (التمكين).
ولعل منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو أسوتنا وقدوتنا، دل على ذلك، الأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها أنه في المرحلة المكية (قبل التمكين) لم يكسر صنما واحدا، أو أمر بكسره.
3- بالنسبة لتطبيق الحدود، فقد قال أهل العلم إنها لا تقام في "الثغور"وقت الجهاد، حتى لا يفتن الناس، ويهربوا إلى الأعداء. وهم يستندون في ذلك إلى حادثة تعطيل الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حد الجلد لشارب الخمر، التي وقع فيها أبو محجن الثقفي أبان معركة "القادسية" (راجع كتاب المغني لأبن قدامة).
وحالة قطاع غزة الآن، ينطبق عليها حكم الثغور والجهاد.
4- كما أن أهل العلم، يقولون بجواز تعليق تطبيق الحدود في الأحوال الاستثنائية، يستندون في ذلك إلى حادثة الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – التي عطّل فيها حد السرقة في عام الرمادة، الذي أصيب فيه المسلمون بفقر وقحط (راجع سير أعلام النبلاء /تخريج الذهبي)، وحالة قطاع غزة أشد مما كان عليه المسلمون حينذاك، فهم في حصار مستمر. فهل نفتن الناس بتطبيق الحدود في وقت لا يجد بعضهم ما يأكلون!
5- إذا تجاوزنا الملاحظات السابقة، فإن تطبيق الشريعة’ لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، إذا لا بد من التدّرج في تطبيقها، ولنا فيما قاله الإمام العادل عمر بن عبد العزيز الدليل الناصع، حيث جاء في (سير أعلام النبلاء/تخريج الذهبي) أن ولد عمر بن عبد العزيز قال لوالده: (يا أمير المؤمنين، وُلّيت أمْر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أزال أرى شراً كثيرا، فقال له والده:يا بني ،أَمَا يرضيك، أن يكون أبوك كل يوم في إحياء سنة، وإماتة بدعة، إني لو حملت الناس على ا لحق جملة، لخشيت أن يتركوه جملة)
إن حماس تحي في كل يوم سنة وتميت بدعة في قطاع غزة، فها هي مساجدها تتحوّل إلى مراكز للتربية، والدعوة’، والتوجيه، والإرشاد. وها هي مراكز تحفيظ القرآن تتحوّل إلى خلايا نحل من الشباب والشابات، الذين يحفظون القرآن الكريم. حتى وصل عددهم إلى ثمانية وستين ألف حافظ في نهاية عام 2011م والهدف الذي يراد الوصول إليه هو مائة ألف حافظ مع نهاية عام 2011م إن شاء الهة، وهناك عشرات المشاريع الخيرية، والدعوية، والعلمية، التي تجري على قدم وساق في القطاع ، مما لا يتسع المجال لذكره.
6- إن مسألة التدرّج في تطبيق الإسلامية، ليست أمرا مبتدعا، أولا أصل له في الفقه الإسلامي، وإنما تندرج هذه المسألة تحت واحدة من قواعد الفقه المعتبرة والكبيرة، وهناك مبحث مميّز كتبه الشيخ حامد عبد الله العلي (أحد كبار قادة الحركة السلفية في الكويت)، حول حكم التدرّج في تطبيق الشريعة، أنصح بقراءته والرجوع إليه. ويمكن لكم ذلك بالعودة إلى أرشيف المركز الفلسطيني للإعلام بتاريخ 18/8/2009م.

الخلاصة:
إن حركة حماس، التي تفخر وتجهر بمرجعيتها الإسلامية، ترى أننا مطالبون بتقديم "النموذج الإسلامي" الحقيقي، الذي من شأنه تبشير الناس لا تنفيرهم "بشّروا ولا تنفروا"، نريد نموذج عمر بن عبد العزيز، الذي حكم لمدة قصيرة من الزمان في ظل "الدولة الأموية" التي دشّنت "الملك العضوض"، الذي مثّل أول انحراف تاريخي عن مسيرة الخلافة الراشدة " وعلى الرغم من ذلك، فقد قدم نموذجا طبع فيه بصمات، سجّلها التاريخ في صفحاته بأحرف من نور، وبقيت تجربته رائدة ، ملهمة، يتم التعامل معها على أنها امتداد لحقبة "الخلافة الراشدة" وليست مستقلة أو منفصلة عنها.
حماس معنية بتقديم النموذج القائمة ركائزه على: الوسطية ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) البقرة 143، والاعتدال "نقيض التشدد والغلو والتنطع"، ((فلن يشادّ الدين أحد إلا غلبه،وقد هلك المتنطعون)) كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم .
حماس تقبل النصيحة، ولكنها لا تقبل التشهير والاتهام وسوء الظن..تقبل النصيحة، ولكنها لا تقبل "المزايدة"على مواقفها.

محمد نزال عضو المكتب السياسي في حركة حماس في حواره مع شبكة فلسطين للحوار


الكاتب: سيف عمر
التاريخ: 04/01/2011