ضرورة محافظة المسلم على هويته وانتمائه

 

الحمدُ لله والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله وعلى آلِه وصحبِه ومَن والاه .............. أما بعد:
* منذُ أنْ بدأَ رسولنا وحبيب قلوبنا  دعوته في مكةَ المكرمة وهو يُؤكِّد على قضيةِ العقيدة وأنّها أهم الثوابت التي لا يمكن التنازل عنْ شيءٍ مِنها أبدًا مهما كان الثمن، بل إنَّ التنازلَ عنْ شيءٍ مِنها قد يُخرِج صاحبه مِن البوابةِ التي دخل مِنها، وهذا الأمرُ العظيم لم يُركِّز عليه النَّبي  في فترةٍ مِن الفترات وانتهت القضية، لا. بل بدأَ البناء بالتركيزِ الشديد عليه، وكان بعد ذلك يُؤكِّد عليه بين الفينةِ والأُخرى طوال حياته حتى انتقلَ  إلى ربِّه جلّ وعلا، فإذا به يُربي جيلاً فريدًا طبّق الإسلامَ كاملاً في حياتِه كلِّها، فأوجدَ مجتمعًا متميزًا عنْ غيرِه في كلِّ شيء: في العقيدة، وفي الشريعة، وفي العبادة، وفي الأخلاقِ والسلوك، مجتمعًا حقّق هويته التي ليست مِن صنعِ البشر وإنّما هي دين الله خالق البشر، وهي تحقيق الانتماء الكامل للهِ ورسولِه والمؤمنين، والتطبيق الكامل للكتابِ والسُنّة، فحقّقوا هوية التمايز والمفاصلة، وكانوا  يعتزّون بهويتهم أيما اعتزاز، ولا يقبلون إطلاقًا أنْ يُصيبَها أي تغيّر، بل ووضِعت السياجُ المتينة حول هذه الهوية وهذا الانتماء، فحُذِّر المسلم تحذيرًا شديدًا أنْ يتشبّه بغيرِه فقال المصطفى -مُصرِّحًا ومُحذِّرًا-: ((مَنْ تشبه بقومٍ فهو مِنهم))[انظر صحيح الجامع:ح6149]، وفروع الشريعة مليئة بالمسائل التي بيّنت خُطورة التشبّه بغيرِ المسلمين حتى ولو كان في أمورٍ يراها العبدُ هيّنة: كحثِّ النَّبي  على صيامِ التاسع مع العاشر مِن محرَّم مخالفة لليهود، وإعفاء اللحية وحفّ الشارب لمخالفة المجوس وغيرهم... إلى غيرِ ذلك مِن الفروعِ الكثيرة التي ترجع إلى أصلٍ كبير وهو حُرمة التشبه بغير المسلمين، وهذا بدورِه يرجع إلى قضية مُهمّة وهي مُحافظة المسلم على هويتِه وانتمائِه في كلِّ شيء في الشكلِ والمضمون في الباطنِ وفي الظاهر.
والأمثلة والشواهد في حياةِ الصحابة  على تحقيقِ هذه الهوية والاعتزاز بها أكثر مِن أنْ تُحصر، ولا مجال هنا للاستطراد في ذِكرِ شيءٍ مِنها، ولكن انظر على سبيل المثال لا الحصر: موقف العِزّة وصدقِ الانتماء والثبات على الهوية بعد تحقيقها الذي جسّده رِبعي بن عامر  لمّا وقف أمام قائد الجيوش الكِسروية رُستم[انظر:تاريخ الطبري(3/519-520) والبداية والنهاية(3/123) وغيرها]، وكذلك موقف الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول  مع أبيه رأس النفاق عبد الله بن أُبي بن سلول-قطع الله دابر سلالته الفكرية إلى يوم القيامة-عندما قال : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ[انظر:تفسير ابن كثير(4/473) والبداية والنهاية(4/181) وغيرها]، وعلى هذا الحال يجب أنْ يكون كل مسلم مُوحّد، وأنْ يستمرَ على هذا الطريق بجديّة دون تمييع للحقائق والثوابت فإنَّه دين، قال الله: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ.

* وكانت الأُمّة على مرِّ تاريخها متمسكة بكلِّ قوتها بهويتها وانتمائها وهذا الذي جعلها تصمد أمام النكبات الكثيرة الشديدة التي تعرّضت لها؛ وذلك لأنّها كانت تملك مقومات النصر وأهمها العقيدة، ولمّا تخلّت الأُمّة عنْ هويتها وانتمائها وعنْ الاعتزاز بها رأينا ما أصابها والواقع خير شاهد على ذلك، هذا الواقع الذي تعيش فيه الأُمّة تبعية ذليلة مَهينة تدل بوضوح على فقد الهوية والانتماء، وهذا الذي حذّر مِنه النبي  أمته فقال: ((لتتبعنَّ سَنن الذين مِن قبلِكم شبرًا بشبر أو ذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جُحرَ ضَبٍّ لسلكتموه)) قالوا: اليهود والنصارى؟؟ قال: ((فمَن؟؟))[متفق عليه]، فماذا تريد الأُمّة مِن الكافرين-والكفرُ ملةٌ واحدة-؟! أتريد مِنهم نصرًا؟! أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ‌؟! فهل تتوقع الأُمّة أنْ ينصرَ الكفرُ توحيدًا، أو أنْ ينصرَ الشِّركُ إيمانًا؟!، أنسيتْ الأُمّة أنَّ النصرَ والتمكين بيد الله وحده فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، ""لقد كنّا أذلّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العِزّةَ في غيرِه أذلنا الله""، وإلا فلماذا تنصهر الأُمّة في غيرِها انصهارًا كامِلاً-إلا مَنْ رحم الله-؟؟.

* بل والعجيب أنّك تجد بعض المسلمين يخجلون مِن هويتهم وانتمائِهم، ويخافون مِن إظهارها، حتى وإنْ دافع البعض عنْ الإسلام يدافع دفاع المنهزم نفسيًا، فيدافع عنْ الإسلام كمُتَّهم فيبدأ يتنازل عنْ الكثيرِ مِن الثوابت حتى يخرج مِن التُّهم التي تُلصَق بالإسلام، بل وتجد مِن بيننا مَن ينصر مناهج وأفكار غير المسلمين ويدعو إليها والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، هذا في الوقتِ الذي نرى فيه كل أُمّة تعتز بهويتها رغم بطلانها، فمشرك أرض الجزيرة كان يعتزُّ بهويته والشواهد على ذلك كثيرة وخصوصًا في السيرة، والملحد يعتزُّ بعقيدتِه وهويته كالشيوعيين مثلاً، واليهودي والنصراني بل السيخي والبوذي يعتزّون بهويتهم حتى في الشكلِ والملبس، مع أنَّ المسلم هو الأولى بالاعتزازِ بدينه وهويته وانتمائِه وعقيدتِه، لا أنْ يقوم بتمييعها بسبب جهله ومِن أجل عواطِفه وأهوائِه، فأصبح الكثير مِن المسلمين لا يعرف مَن ينصر ومَن يُوالي ومَن يتبع؟، ولا يعرف مَن يُبغض ومَن يُعادي ومَن يَترك ويَدع؟، ولو كان الانتماءُ قويًا وكانت الهوية واضحة وثابتة لاتضحت الرؤيا في كلِّ شيء.

* ومِن المظاهر السيئة التي نراها بسببِ ضعف الهوية والانتماء:
- ضعف العقيدة في نفوسِ كثيرٍ مِن المسلمين حتى سَهُل عليهم التخلي عنْ الكثيرِ مِن ثوابتِها.
- ضياع أو ضعف عقيدة الولاء والبراء وغيابها مِن واقع الأُمّة وحياتها، والخلط بين المعاملة الحسنة لغير المسلم وبِره في وقتِ الدعوة وبين الولاء المحرّم لغير المسلمين، فضاع البراء في مَعنى البِر.
- تأثُّر المسلمين بشخصيات ومناهج الكافرين والمبتدعين والضالين، بل اتخاذ هذه الشخصيات قدوات ورفعهم فوق الأعناق، واتخاذ هذه المناهج دينًا والسعي لتطبيقها والدعوة إليها.
- تَشبُّه كثير مِن المسلمين بغيرِهم مِن أصحاب المناهج والسُبل والديانات الأُخرى، وأحيانًا لدرجةِ الانصهار.
- السعي لتوحيد الصف وجمع الكلمة حتى ولو كان على حساب كلمة التوحيد وبغضّ النّظر عنْ العقيدة.
- ضياع الحق وغيابه بين الناس، وتمييعه تبعًا للعواطف والأهواء والمزاجات.
- ضياع شخصية المسلم كمسلم أو ضعفها وغياب تميُّزه الواضح عنْ غيرِه.
- الضعف والهوان والذُّل والتبعية، وضياع العِزّة والكرامة، وتأخُّر النَّصر، وتسلّط الأعداء على الأُمّة.
* وفي هذا الجو المسمّم، وهذا الواقع الأليم، أصبح المسلم الصادق المتمسك بعقيدتِه وثوابِته ومنهج الحق، والرافض للتنازل عنْ هويته وانتمائِه، أصبح يعيش في غُربةٍ واضحةٍ كغُربةِ الإسلامِ الأُولى كما بيّن حبيبنا : ((بدأَ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأ فطوبى للغُرباء))[رواه مسلم ح389، وغيره]، وإنْ كان هذا الأمر يُشعِرُ بالألم فإنّه واللهِ في نفسِ الوقتِ يُحيي فينا الأمل، وهذا ما نفهمه مِن حديث رسول الله  السابق، فالإسلام وإنْ بدأ غريبًا إلا أنَّ الأمرَ آل إلى النّصرِ والتمكين، والإسلام الذي ستعود له غربته مرة ثانية هو نفسه الذي كان له النصرُ والتمكين في الأُولى وستكون في الثانية بإذن الله ، وما علينا إلا أنْ نُحقِّق الهوية والانتماء مِن جديد وذلك مِن خلال:

- العودة الصادقة إلى عقيدتِنا العظيمة والتمسك بها وتحقيقها بصفائِها وشمولِها وكمالِها.
- تحقيق عقيدة الولاء والبراء وتطبيقها عمليًا بعيدًا عنْ التأثيرات العاطفية.
- تحقيق الفُرقان الإسلامي لنستبين سبيل المؤمنين مِن سبيل المجرمين، لنَخرج مِن حالة الغَبش العقدي والتعبدي والفكري والسلوكي والأخلاقي التي نعيشها.
- السير الكامل على طريقِ سيد المرسلين  في كلِّ شيء سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، في الصورةِ كان أو في السيرة والسريرة.
- الاجتهاد في دعوةِ المسلمين للعودة إلى هذا الدِّين العظيم تطبيقًا وعملاً، وكذلك دعوة غير المسلمين ما أمكن.
- رفع راية الجهاد في سبيل الله تعالى بالطريقة التي تُرضيه سبحانه، فلا عِزّ للأُمّة إلا بذلك.

وبهذا نكون قد حقّقنا هويتنا وانتمائنا لهذا الدِّين العظيم، ووقتها وفقط وقتها نكونُ أهلاً لنصر الله تعالى، فيا أيها الأخ الحبيب: تمسك بدينك وعقيدتك واعتزّ بهما، وافتخِر بأنّك مسلم، وارفع رأسك عاليًا فأنت مُوحِّد متمسّك بعقيدة محمّد . والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل.


الكاتب: أبو البراء الغزي
التاريخ: 12/03/2011