دور تحفيظ القرآن هل أصبحت مرعى وملهى؟!

 

المفترض في دور القرآن الكريم أن تتسم بالجدية والإتقان ـ ما أمكن ـ في كل شيء:
إتقان تلاوة القرآن وإتقان تلقينه لتدوي الحلق به كدوي النحل ومن ثم إتقان حفظه؛ وإتقان في التربية وفي التوجي والإرشاد؛ والإتقان كذلك في مواعيد الحضور والانصراف وإتقان في الافتتاح وفي الختام وإتقان في إلقاء الدروس والمحاضرات وانتقاء جيد لها؛ و إتقان في .. وفي ..إلخ الأمور والمهام المعروفة لتشتهر الدور وتعرف بالجد والحزم والعطاء القرآني المتنوع ويُسقى الغراس بأحسن سقاء ليزهر ويثمر؛ ثم بعد ذلك لا بأس بمساحة فيها للترفيه والترويح في حدود مرسومة وتحت رعاية راشدة واعية؛
أكرر:
لا بأس بمساحة فيها للترفيه والترويح في حدود مرسومة و تحت رعاية راشدة واعية؛ لا تحت رعاية حديثات عهد بالدور أو حديثات عهد بالاستقامة ولا بالصغيرات قليلات الخبرة خريجات قنوات ما تسمى بالإسلامية والتي لا يخفى على أهل العلم أمرها..
؛؛؛
ظاهرة التوسع في المرعى والملهى ليست وليدة اليوم وإنما هي منذ عدة سنوات وما تزال في نمو وانتشار حتى غدت وكأنها جزء لا يتجزأ ولا ينفك عن برامج دور القرآن وبصورة مزرية تحزن المؤمن وتسر غيره.

حقيقة لقد بالغت كثير من الدور مبالغة في الأمرين لا يجوز للمتابع أن يسكت عليه؛ وأُسند الأمر ـ في الترفيه خاصة ـ إلى غير أهله؛ وتدريجيا نشاهد تفريغ الدور من دورها الحقيقي إلى دور هامشي سطحي سرعان ما يتبدد وتضيع الجهود فيه سدى..
وإني أرى أن من الغش أن يمدح بعضنا بعضا ويزين بعضنا لبعض التجاوزات ويسميها بغير مسماها؛ ويبخل بالنصح والنقد والتقويم بحجج واهية؛ ولهذا أنا أكتب وأنقد علانية بعدما بذلت النصح الخاص ولم ينفع؛ فمصلحة الدور مقدمة عندي على خواطر المسئولات عنها فأقول:
إن كثير من هذه الأنشطة المدوام عليها في كل دورة تقريبا هي مرعى بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ وإني لا أعترض على إقامة الأنشطة ابدا؛ وهي ضرورة بل الاعتراض على الفوضوية التي تلفها فهي تحتاج إلى ترشيد وتقويم وتقليص ؛ويفترض أن نستغلها في العلملية التربوية التطبيقية وأن نشيع خلق القرآن في آداب الطعام والشراب وعدم التبذير؛ ونشيع كذلك ضبط مواعيد إقامتها باليوم والساعة وتحدد لها مساحة زمنية لا تتجاوزها؛ ولا نجعل هذه الأنشطة كالآفة تأتي على زمن الحلقة وعلى عمر الدورة فتأكل منها الكثير الكثير..
وهذه الأنشطة المتعارف عليها في كل دار هي كالآتي:
طبق خيري
سوق خيري
يوم مفتوح
إفطار صائم
لقاء تعارف بين فصلين أو أكثر
تكريم متفوقات
حفل ترحيبي
حفل ختامي
كل هذه المناسبات تظهر فيها تلك السلبيتين بكل وضوح فتفرش فيه الموائد الطويلة العريضة ما بين ضيافة وبيع وشراء وألوان الأطعمة والأشربة يصعب حصرها فالترامس بالعشرات والحافظات كبيرة الحجم وصياني حلا وسلال موالح وأكياس فشار ومبيعات مقصف هائلة حتى غدت هذه الصورة "صورة المرعى" سمة بارزة في الدور!!
ووقفة لمدة دقيقة واحدة يرقب فيها الناظر بأي شيء تضج هذه الأنشطة: فإذا بالكل يأكل ويشرب من المسئولة الأولى فيها إلى أصغر طفل فيها فهذا يشفط من أردى أنواع الجلي وثاني يلعق الآيس كريم والثالثة مشغولة بالذرة لتكملها والرابعة تتمشى في فناء الدار مع زميلاتها يأكلن ويشربن ماشيات؛ ومجموعة متحلقة على سفرة مليئة.. وفي الفترة الصباحية زيادة: حافظات الفول وخبز التميس والمصابيب! وأكل وشرب وإسراف بصورة غير مقبولة حتى لو كانت خارج الدور فكيف بالدور؟!
ثم انظر إلى أرض المبنى بعد هذه الأنشطة تجدها اختلطت بألوان العصائر الحمراء والصفراء والشوكلاتة وبواقي صحون البليلا في كل مكان وأجزاء الفطائر وعلب المشروبات ملقاة هنا وهناك ما هذا؟!
لو كانت حظيرة بهائم لا نرضى أن تكون هذه صورتها؟ فكيف بدور قرآن نطمع أن تحفها الملائكة وتضع أجنحتها لطالبات العلم فيها؟! إسراف وتبذير وملء بطون بشكل مزري و إهانة للنعمة؛ ثم النظافة في أدنى درجاتها والمواعيد لا زمام لها؟!!
شيء مؤلم حقا
؛؛؛
وأما عن الملهى فأعني بها فقرات الأناشيد المكثفة والمسابقات غير المناسبة، والألعاب المكررة؛ وكل هذا له نصيب الأسد في أيام الأنشطة.. وعلى حساب ما هو أهم حتى أنه في الآونة الأخيرة ظهر ترفيه ممجوج لا يقبل ولا يستساغ إلا في ملاهي الخيمة وأخواتها: حين أحضرت إحدى الدور ما يسمى بالمهرّجات ـ بمبلغ وقدره ـ ومعهن عدة التهريج والتتفيه وبل والترويع أيضا حيث الوجيه التي يتبرقعن بها والجلود الحيوانية التي يلبسنها!! وتصبيغ وجه الصغار بألوان ورسومات وتحويل وجه الطفل البريء إلى وجه منفر بسبب هذه الأصباغ؛ وأيضا اللعب المبالغ فيه والتصفيق الحاد وأحيانا تصفير وصراخ ومسابقات تافهة كنفخ البالونات ومن ثم من يفقع أكثر عدد والمسابقة للأمهات أو للجاميعات فننزل بهن الدار لمستوى البالونات؟! وأحيانا أما هو أدنى مسابقة في الأكل أو الشرب ومن تسبق وتنهيه قبل غيرها؟!!
فتقوم المتسابقة بالازدراء السريع للطعام والنهم والبلع بدون مضغ؟ صورة مقززة لو فعلها أطفالنا على المائدة لزجرناهم فما بالها تفعل في صروح العلم وتعطى عليها الجوائز؟!!
أجزم لو كان التلقي في دور التحفيظ سليم وجاد والحزم موجود والتأسيس قائم على منهج القرآن وأخلاق أهله والعضوات همّهن ّ الدعوة إلى الله والارتقاء بأهل القرآن ما كانت هذه الصور لتكون أبدا ولا تغضبوا مني هي الحقيقة "وما شهدنا إلا بما علمنا"
أكتفي بهذا؛ وهذا إنما هو إشارات فاتقين الله أخواتي في الله ولا تَمِلْن بالدور عن الهدف الجليل الذي أقيمت لأجله وفضله، اتقين الله في أموال المسلمين الذين بذلوها للرفع من شأن القرآن وأهله عقيدة وأخلاقا وفكرا وسلوكا؛ اتقين الله في فلذات أكبادنا وهنّ بين أيديكن نطمع أن تغرس الدار فيهنّ ما نعجز عن غرسه نحن الأمهات اتقين الله وإلا فثلاجاتنا ومخازن بيوتنا ملآ بما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات ونهاية كل أسبوع لنا جولات وسهرات وترفيه وأنس فإن تساوينا وإياكم في هذا فما الفائدة المرجوة إذا؟!
من القلب:
إن لم ينتبه أولوا العلم وأولوا الأمر القائمين على الدور لهذه التجاوزات ووضع حد لها وخاصة الترفيه فالوضع سيسوء أكثر لا محالة بما أن حجة بعض القائمات على الدور في سبب التوسع في المرعى والملهى هو نزولا عند رغبة الجمهور وحجة أخرى يحتججنّ بها آلا وهي قولهنّ: يضمن لنا استمرار الحضور وجذب عصاة المجتمع!!
(وكأن دار القرآن صارت دار أحداث حتى تستقطب هذه الشريحة لتنزل عند أهوائها) لا أستبعد بعد ذلك هزالا على الهزال الحاضر وضعفا على الضعف القائم يعتريها ومن ثم يأتي على الخير المتبق فيها ويفرغها تماما من الأهداف الجليلة التي أقيمت لأجلها فتكون جوفاء فارغة وأخشى حينها أن نكون قد تشبهنا بعبادتنا هذه ـ تعلم القرآن وتعليمه ـ بمن قال الله عنهم: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} فتكون دور القرآن مرعى وملهى وسعة صدر وتجمع فتيات ومواعيد مع الصديقات واستعراض أزياء وحفلات وتصفيق وتصفير وتشجيع ولا أستبعد استحداث ترفيه جديد فتجرى مسابقات رياضية كروية بين الطالبات أوتستدعى فرقة طقاقات بدفوفهن ومن ثم رقص على منصات العلم يرددن: كل دور القرآن خيّالة ويا زين دارنا بينهن! لا أستبعد هذا وكلا الأمرين رأيت مقدماته والله يشهد.

اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ منيرة بنت سعد العتيبي
الرياض


الكاتب: منيرة بنت سعد العتيبي
التاريخ: 09/05/2010