التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم -في الدعاء- لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد (مهم لإئمة المساجد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مسائل في دعاء القنوت


المسألة الأولى: حكم القنوت في الوتر

اتفق أهل العلم على مشروعية القنوت في صلاة الفجر عند النوازل، (أسهل المدارك للكشناوي 1/303)، واختلفوا فيما عدا ذلك، وسأقصر الكلام على القنوت في الوتر دون الفرائض، كما هو عنوان المسألة وخلافهم على أربعة أقوال:
القول الأول: يكره القنوت في الوتر، وهذا هو القول المشهور عند المالكية، واستدلوا بعدم ثبوت سنة في ذلك، وأن السنة ثبتت في صلاة الفجر عند النوازل فقط، قال الإمام الحافظ في (التلخيص 2/18): "قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه شيء عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ولكن عمر كان يقنت". وقال ابن خزيمة: "ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ في القنوت في الوتر" (صحيح ابن خزيمة 2/151).
القول الثاني: يسن القنوت في النصف الأخير من رمضان فقط ، روي عن علي وأبي بن كعب (المغني 1/820)، والزهري (رواه عبد الرزاق في المصنف 3/121)، ورواه ابن وهب عن مالك (الاستذكار 5/166) وقول ابن نافع من المالكية (أسهل المدارك للكشناوي 1/303) وهو القول المشهور في مذهب الشافعية (المجموع للنووي 4/15)، ونص عليه الإمام أحمد، حيث سأله أبو داود: القنوت في السنة كلها؟ قال: إن شئت. قال: فما تختار؟ قال: أما أنا فلا أقنت إلا في النصف الباقي إلا أن أصلي خلف الإمام فيقنت فأقنت معه. (مسائل أحمد لأبي داود 66)، واستدلوا بورود ذلك عن ابن عمر رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح (المصنف 2/98).
القول الثالث: يسن في رمضان دون سائر الشهور، وهذا وجه للمالكية وللشافعية (المجموع 4/15).
القول الرابع: يسن في وتر كل ليلة من ليالي السنة، وهذا قول ابن مسعود، وإبراهيم النخعي (المغني 1/820)، وهو قول الحنفية (بدائع الصنائع 1/273) ووجه عند الشافعية (المجموع 4/15) وهو قول مروي عن الإمام أحمد (الإنصاف للمر داوي 2/270)، واستدلوا بحديثين:
الأول: حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت" رواه أحمد (المسند 1/200) وأبو داود وسكت عنه (1425) والترمذي وحسنه (464) والنسائي (3/248) وابن ماجة (1/199) والحاكم وصححه على شرط الشيخين (3/172)، ونقل الزيلعي عن النووي تصحيحه لإسناده (نصب الراية 2/125)، وصححه أحمد شاكر في تحقيق المسند برقم (1718)، وصححه في الإرواء (2/172) إلا أن زيادة (في قنوت الوتر) شاذة لتفرد أبي إسحاق وابنه يونس بروايتها عن بريد ولم يروها شعبة عن بريد وهو أوثق منهما. قاله ابن خزيمة (صحيحه 2/152)، وانظر رسالة في أحكام قيام الليل للعلوان (45).
الثاني: حديث أبي بن كعب: "أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قنت في الوتر". رواه أبو داود برقم (1427)، والنسائي (1/148)، وابن ماجة برقم (1182)، وحسنه الألباني في الإرواء (2/167).
الثالث: ثبت ذلك عن الصحابة كعمر _رضي الله عنه_، كما سبق في النقل عن الإمام أحمد.
والراجح القول بأن القنوت في الوتر سنة؛ لثبوته عن الصحابة _رضي الله عنهم_، لكن يكون تركه أكثر من فعله، إلا في النصف الأخير فلا بأس من أن يكون فعله أكثر من تركه؛ لأثر ابن عمر الدال على إطلاق مشروعيته في النصف الأخير من رمضان.

المسألة الثانية: محل القنوت قبل الركوع أو بعده:

اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: قبل الركوع. روي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز (المجموع 4/24، المغني 1/821)، وهو قول المالكية والحنفية (المغني 1/821)، واستدلوا بما رواه عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت خلف عمر بن الخطاب صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: "اللهم إياك نعبد.." أخرجه البيهقي (2/210) وصححه في الإرواء (2/271) وبأحاديث مرفوعة كلها ضعيفة. انظر (المجموع 2/24).

القول الثاني: بعد الركوع. حكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر وعلي وأبي _رضي الله عنهم_ وسعيد بن جبير، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (المغني 1/821، والمجموع 4/24)، وهو وجه عند الحنابلة (الفروع 2/171).

القول الثالث: يسن بعد الركوع ويجوز قبله، قال به أيوب السختياني (المجموع 4/24) وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (الفروع 2/171، المغني 1/821).
وسبب اختلافهم عدم ورود سنة صحيحة في ذلك، والراجح جواز القنوت قبل الركوع وبعده قياساً على قنوت النوازل في الفرائض، حيث ثبت أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قنت قبل الركوع [رواه أبو داود في الصلاة باب القنوت في الوتر (1427)، والنسائي (1/148)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع (1182)، والبيهقي (2/39) عن أبي بن كعب _رضي الله عنه_، وصححه الألباني (الإرواء 2/167)]، وبعد الركوع [رواه البخاري في المغازي، باب غزوة الرجيع (4089)، ومسلم في المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة (677) (604) عن أنس _رضي الله عنه_] لكن يجعل الأكثر بعد الركوع.
فإذا قنت قبل الركوع ابتدأ به بعد الفراغ من القراءة بلا تكبير، (الممتع لابن عثيمين 4/26).


المسألة الثالثة: ابتداء القنوت بالحمد والثناء

اختلف أهل العلم في دعاء القنوت هل يبدأ بالحمد والثناء أم يبدأ بما جاء في حديث الحسن بن علي "اللهم اهدني فيمن هديت" على قولين:
القول الأول: إن السنة عدم ابتداء القنوت بالحمد والثناء، واستدلوا بعدة أدلة منها:
- حديث الحسن بن علي أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ علمه أن يقول في قنوت الوتر: "اللهم اهدني في من هديت..." الحديث، ولم يذكر فيه أنه علمه أن يحمد الله ثم يدعو بهذا الدعاء فدل ذلك على عدم مشروعية الابتداء بالحمد في القنوت.
- أنه لم ينقل عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه بدأ القنوت بالحمد.
- أن القنوت عبادة توقيفية لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله فالقول بأنه يبدأ بالحمد يحتاج إلى دليل خاص ولم يرد دليل بذلك كما في أدعية الصلاة كالدعاء بين السجدتين ونحو ذلك.
وإلى هذا القول ذهب الشيخ عبد العزيز بن باز _رحمه الله_ (فتاوى ابن باز 4/293).


القول الثاني: إن السنة ابتداء القنوت بالحمد وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بأدلة منها:
- حديث فضالة بن عبيد أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يحمد الله ولم يصل على النبي _صلى الله عليه وسلم_، فقال: عجل هذا، ثم قال: إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي _صلى الله عليه وسلم_ ثم يدعو بما شاء.
(1) وبما رواه عبد الرحمن بن أبزى قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخضع لكن ونخلع من يكفرك" رواه البيهقي وضعفه في (الإرواء 2/271).
- قال الإمام أحمد: "يدعو بدعاء عمر: اللهم إنا نستعينك... وبدعاء الحسن: اللهم اهدنا فيمن هديت..." (الإنصاف 2/171).
- ولأن الأصل في الدعاء ابتداؤه بالحمد والثناء والصلاة على النبي _صلى الله عليه وسلم_.
وإلى هذا القول ذهب الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله – ولعله أقرب إلى الصواب لقوة أدلته. والله أعلم.


المسألة الرابعة: السجع والتلحين في دعاء القنوت
المشروع للداعي الإتيان بجوامع الدعاء وعدم الاعتداء فيه، ولذا فينبغي للداعي الحرص على الأدعية القرآنية والنبوية وما يتبع ذلك من جوامع الدعاء، ولا مانع من الزيادة على الأدعية الواردة إذا سلمت من المحظورات والتكلف في السجع والتلحين والتطريب في دعاء القنوت هو مما أحدثه الناس في هذه العبادة، والأصل في الدعاء أن يكون متذللاً خاشعاً لا تكلّف فيه ولا تصنُّع.
قال الكمال بن الهمام – رحمه الله تعالى-:
"مما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد؛ فاستبان أن ذلك من مقتضيات الخيبة والحرمان" (فيض القدير 1/229).
وقال: "ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد مسائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني".
وجاء في (تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد ص 83):
"فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الأئمة في رمضان الجهر الشديد وخفض الصوت ورفعه في الأداء حسب مواضع الدعاء، والمبالغة في الترنم، والتطريب والتجويد، والترتيل، حتى لكأنه يقرأ سورة من كتاب الله – تعالى – ويستدعي بذلك عواطف المأمومين؛ ليجهشوا بالبكاء".
وقال: "التلحين والتطريب والتغني والتقعر والتمطيط في أداء الدعاء منكر عظيم ينافي الضراعة والابتهال، والعبودية، وداعية للرياء، والإعجاب، وتكثير جمع المعجبين به.
وقد أنكر أهل العلم على من يفعل ذلك في القديم والحديث.
فعلى من وفقه الله – تعالى – وصار إماماً للناس في الصلوات، وقنت في الوتر أن يجتهد في تصحيح النية، وأن يُلقي الدعاء بصوته المعتاد، بضراعة وابتهال، متخلصاً مما ذُكر، متجنباً هذه التكلفات الصارفة عن التعلق بربه" (ص469).
وفي الغالب أن التلحين والتطريب في الدعاء يكون مصحوباً برفع الصوت، وقد عرف رفع الصوت قديماً باسم "التقليص"، وقد أنكره الأئمة المتقدمون. (الحوادث والبدع، للطرطوشي ص155)" نقلاً عن (بدع القراء للشيخ بكر أبو زيد ص 15، 16، وتصحيح الدعاء ص82).

وقد أنكر النبي _صلى الله عليه وسلم_ على أصحابه رفع الأصوات بالدعاء كما ثبت ذلك عنه في حديث أبي موسى _رضي الله عنه_ أنه قال: "كنا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا، فقال: "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"
وقال ابن جريج – رحمه الله-:
"يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة " (تفسير الطبري10/249).
وينظر في هذه المسألة الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (15/19)،و(المجموع للنووي 8/136).
وقال الألوسي في (روح المعاني 8/139) :
"وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد وتستك المسامع وتشتد ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين، رفع الصوت في الدعاء وكون ذلك في المسجد".
وأما السجع فقد كرهه السلف ونهوا عنه، وهذا محمول على السجع المتكلف، قال ابن عباس لمولاه عكرمة كما في صحيح البخاري:
"انظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
وقد يكون التكلف في السجع من موانع الاستجابة، كما قال القرطبي في الجامع ( 7/226) عند كلامه عن أنواع الاعتداء في الدعاء:
"ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مقفرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء".
وقال الحافظ في (فتح الباري 8/148):
"الاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعاً أو بطلب معصية أو يدعو بما لم يؤثر خصوصاً ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور".
ثم إن التكلف في السجع في الدعاء قد يحمل الداعي إلى الإتيان بأدعية مخترعة، ثم هو خلاف السنة الواردة عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في تخير جوامع الدعاء، والله أعلم.


المسألة الخامسة: تعيين الأشخاص في دعاء القنوت
الأصل أن الإمام في دعاء القنوت يأتي بالأدعية المشروعة التي لها صفة العموم، وأن تكون بصيغة الجمع
وأما التعيين في دعاء القنوت فله حالات:
الحالة الأولى: تعيين طائفة من الكفار بالدعاء لشدة عداوتهم ومحاربتهم للإسلام، وهذا مشروع؛ لما ثبت عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"، ولما جاء عن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ في القنوت أنه كان يقول: ".. اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين" رواه عبد الرزاق في المصنف (4969).

الحالة الثانية: تعيين شخص أو أشخاص والتنصيص عليهم بأسمائهم، وهذا كذلك جائز عند الحاجة إليه، وهذا قول الجمهور خلافاً لأبي حنيفة لحديث أنس وأبي هريرة _رضي الله عنهما_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قنت بعد الركعة في صلاته شهراً: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" متفق عليه.
وعن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: "إن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع…" الحديث. (أخرجه البخاري).
وقد عقد ابن أبي شيبة في مصنفه: "باب في تسمية الرجل في القنوت".
وقال العراقي في طرح التثريب عند كلامه عن فوائد حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_.
وقال( الخامسة): فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أن يدعى لمعين أو على معين في الصلاة، وخالفه الجمهور فجوَّزوا ذلك لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة.

الحالة الثالثة: أن يخصّ الإمام مَن حضر معه الصلاة بالدعاء، فيقول – على سبيل المثال –: اللهم اغفر للحاضرين، أو لمن حضر صلاتنا.. ونحو ذلك فهذا لا بأس به، والأولى أن يأتي بالدعاء على صفة العموم "اللهم اغفر لنا وارحمنا.." وينوي بذلك عموم المسلمين.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن التنصيص على شخص أو أشخاص في دعاء القنوت إنما يكون مشروعاً عند وجود السبب الذي يقتضيه كما في الأحاديث المتقدمة، ولا يكون سنة دائمة في الصلاة. (ينظر مجموع الفتاوى 23/109).


المسألة السادسة: التأمين على الدعاء ورفع الصوت

مما ينبغي التأمين في المواضع المناسبة، فإن من الناس من يؤمن على دعاء الإمام سواء كان دعاءً أو خبراً، والذي ينبغي أن يعقل المأموم ما يسمعه، فيؤمن في موضع التأمين ويسكت في موضع السكوت، قال معاذ القاري – رضي الله عنه – أحد صغار الصحابة وكان عمر يقيمه لصلاة التراويح – قال في قنوته: اللهم قحط المطر، فقالوا: آمين، فلما فرغ من صلاته قال: قلت: اللهم قحط المطر فقلتم: آمين، ألا تسمعون ما أقول ثم تقولون: آمين، ذكره المروزي في (مختصر قيام الليل).
والمشروع في التأمين على الدعاء في غير الفاتحة داخل الصلاة هو عدم رفع الصوت به؛ لأنه دعاء معناه "اللهم استجب"، والمشروع في الدعاء هو التضرع وعدم رفع الصوت به؛ لقوله _تعالى_: "ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً" (الأعراف: من الآية55)، ولأن عدم الجهر هو الأصل، وهذا بخلاف التأمين في الصلاة بعد الفاتحة فإن المشروع فيه هو رفع الصوت؛ لحديث وائل بن حجر عند أبي داود قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قرأ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ" (الفاتحة: من الآية7)، فقال: آمين ورفع بها صوته، قال ابن حجر: إسناده صحيح.


المسألة السابعة: حكم دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح

اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول :
مشروعية الختمة في صلاة التراويح أو الوتر؛
وهذا مروى عن الإمام أحمد _رحمه الله_ وقد نقله ابن قدامه في (المغني2/ 608) فقال: " قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله فقلت : أختم القرآن ، أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال : اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام ، قلت : بم أدعو ؟ قال : بما شئت ، قال : ففعلت بما أمرني، وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه .
وقال حنبل : سمعت أحمد يقول في ختم القرآن : إذا فرغت من قراءة " قل أعوذ برب الناس " فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت : إلى أي شيء تذهب في هذا ؟ قال : رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة .
قال العباس بن عبد العظيم : وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة ، ويروي أهل المدينة في هذا شيئاً، وذكر عن عثمان بن عفان اهـ . "

القول الثاني:
مشروعية الختمة بعد الفراغ من قراءة القرآن خارج الصلاة،لا داخلها؛
1- أما على مشروعيتها خارج الصلاة، فقد ورد عن أنس _رضي الله عنه_:" أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا" أخرجه الدار مي في السنن في كتاب فضائل القرآن، باب في ختم القرآن (2/ 469) .
2- وأما على عدم مشروعيتها داخل الصلاة، فلعدم ثبوت سنة في ذلك عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ، وغاية ما فيه نقل عن بعض السلف، وليس بهذا تثبت السنة؛ لأن الختمة دعاء في الصلاة له زمن ومحل، فوجب أن تثبت به سنة؛ لأن العبادة توقيفية .


الترجيح:

الراجح _فيما يظهر والعلم عند الله تعالى_ أن دعاء الختمة ليس بدعاً من القول ، وقد فعله بعض السلف _رحمهم الله_ في الصلاة وخارجها .
و أما من رأى عدم مشروعية الختمة؛ لعدم ثبوت الدليل عنده في ذلك، فلا ينبغي أن يفارق إمامه الذي يصلي وراءه، خاصة الذين يصلون في الحرمين ؛ لما في ذلك من الاختلاف والمفارقة؛لأن اجتماع الأمة على قول مرجوح خير من تفرقها على قول راجح ، وقد صلى الصحابة _رضوان الله عليهم خلف عثمان مع اجتهاده في غلط واضح ، وهو إتمامه الصلاة في منى، وقد قصرها النبي _صلى الله عليه وسلم_ ، ومن بعده أبو بكر وعمر _رضي الله عنهما_ ، والله تعالى أعلم .


المسألة الثامنة: الإطالة في دعاء القنوت
أدعية القنوت المروية عن النبي _صلى الله عليه وسلم_، وعن صحابته أدعية مختصرة جامعة فلو دعوت بها كلها في قنوت واحد، فلن تزيد على خمس دقائق ، مع أن السلف ما كانوا يجمعونها كلها في نفس القنوت، بل يدعون بهذا تارة وبهذا تارة ، فما بال بعض الأئمة _هداهم الله_ يقنتون نصف ساعة ، وربما كانت قراءته في الإحدى عشرة ركعة كلها تستغرق زمناً أقل من زمن قنوته.
فينبغي الاقتصار على بعض الدعاء الجامع المأثور من أدعية القرآن والسنة ، أو ما في معناها ، مع اجتناب السجع المتكلف فقد كان السلف ينهون عنه .
وعلى من يعلم من نفسه الضعف في اللغة فليحذر من تأليف الأدعية؛ فبعضهم يدعو بدعاء ملحون لحناً يخل بمعناه، بحيث يصبح دعاء على المأمومين لا لهم، والمسكين يترنم به مسروراً بابتكاراته، وهو لا يشعر بما فيها من الطامات ، حتى إن المرء ليحار هل يؤمن على تلك الأدعية، نظراً لحسن نية الداعي أو لا يؤمن نظراً لفساد معنى الدعاء في نفسه، والله المستعان.


الكاتب: زائر
التاريخ: 10/08/2010