كشف الغطاء عن لصوص العلماء ..

 

كشف الغطاء

عن لصوص العلماء

(((عندما تُطمس شمس العلماء)))

 

 

الحمد لله المتفرد بالحكم, وصلى الله وسلم على سيد العُرب والعُجم

محمد بن عبدالله, وعلى آله وصحبه من أبيٍ وشهم

أما بعد:

 

فلا تزال شمس العلماء ساطعة ً متوهجة ً على مرِ العصور والأزمان,

 

تلك الشمس التي استمدت نورها من نور الله جل جلاله,

(الله نور السماوات والأرض)

 

وقد جعل الله لأهل العلم  مكانة ً سامقة ً عالية ً,

 تشرئبُ لها الأعناق, وترنوا لها الأحداق,

 

عندما قرن شهادتهم بشهادته جل وعلا وشهادةِ ملائكته

فقال سبحانه:

 

 (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأؤلوا العلم قائما بالقسط)

ويكفي العلمَ فضلاً: أن صاحبه من أعبد وأتقى وأخشى الناس لله,

 

كما قال تعالى:

 

(إنما يخشى الله من عباده العلماء)

ويكفي العلماء شرفاً وفخراً

أن الله رفعهم من بين الناس

فقال سبحانه

 

(يرفع الله الذي آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)

 

والآيات والأحاديث في هذا  الباب كثيرة غزيرة

لعلو شأن المعلوم

 

ورفعة شأن العالم

 

وإن الناظر للتاريخ نظرةً فاحصة

 

يجد أن العلماء على اختلاف مللهم ونحلهم

 

هم القادة للثورات

 

والمثل الأعلى للشعوب

 

وهم دائما في المقدمة في كثير من الأمور الدنيوية

 

سواء كانوا على حق أم على باطل

 

ولعلي أدَعُك قليلا مع هذا المشهد العجيب الذي يرويه لنا الإمامان العظيمان

 البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما

 

يذكر قصة أبي سفيان مع هرقل لما سأله تلك السؤالات العظيمات عن النبي صلى الله عليه وسلم

 

فلما عرف الحق وأشرقت شمس الهداية في قلبه

 

قال :

إن يكن ما تقول حقا إنه لنبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي‏.‏ ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه :

 

 ‏(‏‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد‏:‏ فإني أدعوك بدعاية إذ أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك لعنة الأريسيين و ‏(‏يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهد بأنا مسلمون‏)‏ فلما قرأه، وفرغ من قراءة الكتاب، ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا‏.ثم أذن هرقل عظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمرا بأبوابها فغلقت، ثم أطلع فقال‏:‏ يا معشر الروم‏!‏ هل لكم في الفلاح والرشد، وأن تثبت مملكتكم فتبايعوا هذا النبي‏؟‏ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد‏‏‏ غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال‏:‏ ردوهم علي، فقال‏:‏ إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه‏.‏

 

ولعلي أدع المجال للإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله  في أن يعلق

على هذه القصة

 

فاسمعه يقول

 

(هذا ملك الروم، وكان من علمائهم أيضا، عرف وأقر أنه نبي، وأنه سيملك ما تحت قدميه، وأحب الدخول في الإسلام، فدعى قومه إليه فولوا عنه معرضين كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة، فمنعه من الإسلام الخوف على ملكه ورياسته، ومنع أشباه الحمير ما منع الأمم قبلهم‏)

 

ولعلي الآن أوجه الأضواء إلى مسألة عظيمة هي من دواهي هذا الدهر,

 

ومن مصائبه التي عمت وطمت

 

بل وهي السبب في طمس شمس العلماء

 

والتي نستفيدها من هذه القصة العظيمة

 

ألا وهي:

 أن المناصب التي يتربع على عرشها بعض أهل العلم

 

وتكون رفيعةً في المجتمع وتجعل لهم خصوصية من بينهم

 

كثيراً ما تحول بينهم وبين قول الحق والصدع به

 

على خلاف من لا يملك إلا نفسه

 

فتراه صدّاعاً بالحق قوّالاً له

 

لا يخاف في الله لومة لائم

 

فهذا هرقل وهو من علماء النصرانية

 

لم يمنعه خوف ذهاب هذا المنصب عن  السكوت  في بيان الحق في مسألة فرعية أو مسألة مختلف بها إنما منعه هذا الخوف عن قبول الحق الذي عرفه وتبين له وتكشفت له فيه الحُجُب

 

فتأمل يا رعاك الله:

 

 حال بعض المنسوبين إلى العلم كيف يهجرون قول الحق والصدع به عندما يتصادم مع مصالح رؤسائهم وكبرائهم

 

فحري بك أن تكون فطناً لبيباً يعرف من أين يأخذ الحق ومن هم أصحابه

 

خصوصاً في المسائل المصيرية المتعلقة بالأمة

 

ومصالحها العامة وتكون هذه المصالح متعارضة مع مصالح تلك الثلة الصغيرة التي ينطوي هؤلاء العلماء تحت لوائها

 

وانظر يا أيها المسلم الحر:

 

إلى إمامٍ من أئمة المسلمين الثقات الأثبات

 

الذين شهد لهم المسلمون بالسلامة والعدالة وارتضوا أقوالهم

 

وهو الإمام العلامة الفقيه أبو حنيفة النعمان عليه من الله الرضوان

ك

يف ترك القضاء ورفض الإنصياع للأوامر العليا التي أوجبته على القيام بهذه المهمه فرفض

 

ثم قاموا باستخدام أسلوب آخر

 

وهو الإجبار على هذا الأمر بالضرب

 

حتى توفي رحمه الله بسبب ذلك العذاب

 

ولقد وصفَ هذه القضية الكبرى وصفاً رائعا ماتعا

الشاعر الأديب الجرجاني رحمه الله في قصيدته

 

الأعجوبة

 

حيث يقول:

 

يقولونَ لـي: فيكَ انقباضٌ وإنّمـا

رأوا رَجلاً عن موقفِ الذُّلِ أحجما

أرى النّاسَ مَن داناهُمُ هانَ عِندهمُ

ومن أكرمتْهُ عِزَّةُ النَّفـسِ أُكْرمـا

ولم أَقضِ حقَّ العِلمِ إنْ كانَ كُلَّمـا

بـدا طمـعٌ صيرتـه ليَ سُلَّمـا

إذا قيلَ: هذا مَنهلٌ قلتُ: قـد أَرى

ولكـنَّ نَفْسَ الحُرِّ تحتملُ الظَّمـا

أنزِّهُـها عن بعضِ ما لا يَشينُهـا

مخـافة أقوال العدا: فيم أو لما ؟

فأصبحُ عن عَيبِ اللّئيـم مُسَلَّمـاً

وقد رحت في نفس الكريم معظَّما

وإني إذا ما فاتني الأمرُ لم أبِـتْ

أقـلِّـبُ كفّـي إثـره مُتَنَـدِّمـا

ولكنَّـه إنْ جـاء عفـواً قَبِلْتـه

وإنْ مال لم أُتْبِعهُ (هلاَّ) و(لَيتما)‍‍!

وأَقبِضُ خَطويَ عن حُظوظٍ كَثيرةٍ

إذا لم أَنلها وافرَ العِرضِ مُكَرمـا

وأَكرِمُ نفسي أنْ أُضاحِكَ عابسـاً

وأَنْ أَتلقّـى بالمديـح مُـذَمَّمـا

وكم طالب رقي بِنُعماهُ لم يصـِلْ

إليـه وإن كان الرَّئيسَ المُعظَّمـا

وكم نعمةٍ كانت على الحرِّ نِقمةً

وكـم مغنَـمٍ يعْتـدُّه الحرُّ مغرَما

ولم أبتذِل في خدمةِ العلم مُهجَتي

لأَخدِمَ مـن لاقيتُ لكـن لأُخدمـا

أَأَشقى به غَرْساً وأجنيهِ ذِلَّـة ؟!

إذاً فاتِّبـاعُ الجهلِ قد كان أحزَمـا

ولو أنَّ أهلَ العِلمِ صانوه صانَهمُ

ولو عظَّمـوهُ فـي النُّفوسِ تَعَظَّما

ولكن أهانـوه فهـانَ ودنّسـوا

مُـحيّاهُ بالأطمـاعِ حتـى تَجهَّمـا

وما كـلُّ بـرقٍ لاحَ يسْتَفزُّنـي

ولا كـلُّ من لاقيتُ أرضاهُ منْعِمـا

 

 

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي يتشدق بعض أتباع المنهج السلفي (ادعاءً) باتباعه ويقرون بعلمه وإمامته لكنهم يتنكبون لمنهجه وطريقته إتباعاً للهوى وخوفاً من ذهاب بعض المناصب التي هي في النظرة الدنيوية حقيرة دنيئة فضلاً عن النظرة الأخروية

تراه قد مات رحمه الله في السجن ذائداً عن الدين واقفاً في وجوه الظلمة المعتدين , صداحاً بقول الحق لا يخاف في الله لومة لائم

إيهٍ يا ابن تيمية!!

 

إنّ من يُقلب الطرف في سيرتك العطرة وجهادك الدائم لأعداء الدين

 

وصدحك بالحق على اختلاف حالك من يسر إلى عسر

وينظر إلى لصوص العلماء

 

الذين أخرج  عنهم  الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا رأيت العالم  يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص)  

 

ليجد العجب العجاب وما يخلب الألباب.

أ

يتها الأمة النائمة المتكئة على فتاوى مسبوقة الدفع

استيقظي وقومي من رقادك الذي قد طال!

 

إن الذي ترين أمرٌ قد حدث  في الأمم الغابرة وذكره الله  وفضحه

 

أفلا تتنبهين له

 

أما سمعتي قوله سبحانه

 

(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)

 

ألا إنه لن تكون في الأمة ثورةٌ فكرية عارمة تجرف بسيلها الهائج الثائر

 

تلك الأغلال والآصار التي وضعتها الأمة عليها في سني ضعفها وانهزامها

 

إلا بقصد تلك الأصنام المتحجرة وكسرها بسيف الحجة والبرهان

 

المستمدان من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

 

بسبيلٍ واحد وطريق واحد وهو الطريق الأمثل والسبيل الأقوم

 

الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أصنام عصره التي كان لها الحراس والسدنة الذين يتأكلون منها ويعيشون عليها ويسوسون بها

وهذه الطريقة هي:

 

أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد تلك الأصنام وسلبها خاصيتها وفرغها من محتواها عندما بيّن الدين الحق الذي يتضاد مع هذا الباطل فجعلها خواء فارغة وكان هذا في العهد المكي عندما كانت الدعوة فكريةً بالحجج الدامغات والبراهين الواضحات

 

ثانياً: بعد أن تكشّف للناس زيفُ هذه الأصنام والقائمين عليها

بادروا هم بأنفسهم وقد كانوا يوما ما من الذابين عنها الذائدين عن حياضها

المشهرين ألسنةً و سيوفاً في الدفاع عنها

كيف لا وهم يرونها الحق ويرونها الدين ويرون الكبراء والعقلاء يدعون لها ويبجلونها ووسائل الإعلام في عصرهم تعظمها وتقدسها

أليس حري بهم أن يكونوا جنداً من جنودها وُيخر


الكاتب: سعد بن ثقل العجمي
التاريخ: 28/12/2006