يا باغي الخير أقبِل

 

الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّان، والصَّلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للإنسِ والجانّ، وعلى آلهِ وصَحبِهِ الفرسانُ الرهبان، ومَنْ اهتَدى بهديِهمْ وتبِعَهمْ بإحسان.
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الأعمارَ مواسمَ وأوقات، رابحٌ فيها مَنْ امتثلَ لربِّ الأرضِ والسماوات، والخاسرُ مَنْ ارتكبَ النهيَ وأضاعَ الواجبات. فهيَ موضوعةٌ لبلوغِ الأملِ والجنان، ورؤيةِ الرحيمِ الرحمن، مُزيدَةٌ أرباحَ مَنْ فيها اتَّجَر، ومُهلكةٌ أرواحَ من عصى وفجر، الحسنةُ تُضاعَف إلى عشْر، بل سبعمائةِ ضعفٍ وأكثَر.
أما بعد:
فإنَّه بهذا العُمرِ اليسيرِ مِن الزمان، يُشتَرى الخلودُ الدائمُ في الجنان، والبقاءُ الذي لا ينقطعُ بجوار الرحمن، وإنْ فَرَّط العبدُ فيه لاقى الذُلَّ والخسران. فينبغي للعاقلِ أنْ يَعرفَ قَدْرَ عُمرِهِ، وأنْ ينظرَ لنفسه في أمرِهِ، فيغتنم ما يفوتُ استدراكُه، فربما بتضييعهِ هلاكُه.
واعلمْ أنَّ الدنيا كظلٍ إلى زوال، والعبدُ فيها دائماً بارتحال، وهي دارُ عبورٍ وفناءٍ والبقاءُ فيها محال، فتَزوَّدْ منها بما يُغْنيكَ عن السؤال، وبما يُبَلِّغكَ دار المآل.
وقد أَقبلَتْ علينا ونحنُ في آخرِ شعبان، خيراتٌ وبركاتٌ من الكريمِ المنَّان، انْتَظمَتْ في شهرٍ سمَّاهُ اللهُ تعالى رمضان، فأكْرِمْ به مِن شَهر، للهِ فيه نفحاتٌ وأَجْر، وفيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شَهر ، ألا وهي ليلةُ القَدْر، فقَدِّمْ ما عندَكَ من طاعاتٍ كمَهْر، لتُزوَّجَ الحورَ بعد رضا مَنْ له الخَلْقُ والأَمْر.
قال الله تعالى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185)
وفي مسند أحمد وغيره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ : "قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ -وفي رواية: مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ-، فِيهِ – وفي رواية: للهِ فِيهِ -لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ".
فعليكَ بهذا الشهرِ المبارَكِ لا تُحْرَم خيره فإنَّه:" شَقِيَ عَبْدٌ أَدْرَكَ رَمَضَانَ ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ" كما أخبرَ بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن جبريلَ عليه السلام وأمَّن على دعائِه فيما رواه البخاري في الأدب المفرد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

وإليكَ - أخي الصائم - بعضُ آدابِ رمضانَ ومعالمهِ وشيءٌ من هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفعلِ السلفِ رضي الله تعالى عنهم فيه:

· النيِّــة: وأولُ ذلك النيةُ الصادقةُ الجازمةُ على إتمامِ صومِهِ فإنَّه لا عمل بلا نِيَّة وإن العبد ليدرك بِنيَّتِهِ ما لا يُدْركُهُ بعملِهِ، وأنَّ الله تعالى يُعطي العبدَ على نيتهِ إنْ تَعذَّرَ عليه الإتيانُ بعملِه أو إتمامُهُ لا إن قَصَّرَ العبدُ فيه.
في الصحيحين عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ».
قال أبو عبيدٍ: ليس مِن أخبارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حديثٌ أجمعُ وأكثرُ فائدةً وأبلغُ من هذا الحديثِ.

· كثرةُ تلاوةِ القرآن: ثمَّ عليكَ بالإكثارِ من الطاعاتِ، ومن ذلك كثرةُ تلاوةِ القرآنِ الكريم - ولا نريدُ أنْ نُعَّرجَ هنا على الطاعاتِ الواجبةِ في رمضانَ وغيرِه كإقامةِ الصلاة في الجماعة ونحو ذلك، لأن مُرادَنا ما يخص رمضانَ من الطاعات- فإنَّ رمضانَ هو شهرُ القرآن، قد أنزلَهُ اللهُ تعالى في هذا الشهرِ المبارك، قال الله تعالى:( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:من الآية 185)، بلْ أنزلَهُ في أعظمِ ليلةٍ وهي ليلةُ القدرِ فقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1)
واعلم أنَّ المقصودَ مِن قراءتَهِ تدبرُهُ والعملُ بأحكامِهِ وأن يكونَ الهاديَ للأفرادِ والمجتمعاتِ، روى الطبراني في معجمه الكبير بإسنادٍ صحيحٍ عن زيادِ بن لبيدٍ رضي الله عنه قال :" ذَكرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم شيئاً فقال: ذلِكَ عِندَ أوانِ ذَهابُ العِلْمِ قُلتُ :يا رَسولَ اللهِ: وكيفَ يَذْهبُ العِلْمُ ونَحنُ نَقْرأُ القُرآنَ ونُقْرِئُهُ أَبْناءَنا ويُقْرِئُهُ أَبْناؤنا أَبْناءَهم إلى يَومِ القيامَةِ ؟ فقالَ : ثَكِلتْكَ أُمُكَ زياد إنْ كُنْتُ لأَراكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بالمدينةِ أَوَليسَ هِيَه اليَهودُ والنَصارى يَقْرؤونَ التَوراةَ والإنجيلَ ولا يَعمَلونَ بِشَيءٍ مِنْها"
وكان جبريلُ عليه السلام ينزلُ في رمضانَ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم فيُدارِسَهُ القرآنَ في كلِّ ليلةِ من لياليه ... فما أعظَمَهُ مِن أمرٍ؛ أمينُ السماءِ يُدارِسُ القرآنَ أمينَ الله.
في صحيحِ البخاري ومسندِ أحمدَ واللفظُ له، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : "كَانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ."، وفي روايةٍ أخرى في الصحيحين عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "...وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ"
ومن تعظيمِ السَّلفِ رضوانِ الله عليهم لأمرِ تلاوةِ القرآنِ وتدبرِهِ في رمضانَ خاصةً، ما رواهُ المروزيُّ في قيامِ الليلِ: أنَّ ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه كانَ يَقرأُ القرآنَ من الجمعةِ إلى الجمعةِ، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وما يستعينُ عليهِ من النهارِ إلا باليسيرِ، وقال: « مَنْ قَرأَ القرآنَ في أقلِّ مِنْ ثَلاثٍ فَهوَ راجزٌ، هذٌّ كهذِّ الشعرِ أو نَثرٌ كنثْرِ الدَّقل »
وكانتْ عائشةُ رضي الله عنها تقرأُ في المصحفِ أوَّلَ النهارِ في شهرِ رمضانَ فإذا طَلعتْ الشَّمسُ نامتْ.
وكانَ الزُّهريُّ إذا دخَلَ رمضانُ قال: فإنَّما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعامُ الطعامِ.
ومنهم مَنْ كانَ يَجمعُ أصحابَهُ لتلاوتِهِ، فكانَ زبيدٌ اليامي إذا حضرَ رمضان أحضرَ المصاحفَ وجمعَ إليهِ أصحابَهُ.
وكانَ قتادةُ يُدرِّسُ القرآنَ في شهرِ رمضانَ، وكانَ يختمُ في كلِّ سَبْعٍ دائماً، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشرِ الأواخرِ كلَّ ليلةٍ.
وكانَ سفيانُ الثَّوري إذا دخلَ رمضانُ تَرَكَ جميعَ العبادةِ وأَقْبَلَ على تلاوةِ القرآنِ.
وقالَ ابنُ عبدِ الحكمِ: كانَ مالكٌ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ يَفِرُّ من قراءةِ الحديثِ ومُجالسةِ أهلِ العلمِ ويُقبلُ على تلاوةِ القرآنِ من المصحفِ.
فاحرصْ - أخي الصائمُ - على تلاوةِ القرآنِ في هذا الشهرِ الكريمِ بتدبرٍ وحُضورِ قَلبٍ، واجعلْ لكَ ورْداً يومياً لا تُفرِّطُ فيه، بحيث تخْتِمهُ مرتينِ أو ثلاثا، ولو رَتَّبْتَ لنفسكِ جَدولاً بعدَ كلِّ صلاةٍ لتلاوتِهِ وأكثرْتَ منه بعدَ صلاةِ الفجرِ لحصَّلتَ خيراً عظيماً، ثُمَّ لا تنسَ أنْ تجعلَ لبيتكَ وأهلِكَ وأولادِكَ نصيباً من ذلك .
· الصدقةُ وأعمالُ الخيرِ: بإفطارِ المساكينَ وكسوتهِم وكفالةِ الأيتامِ ولاسيما ذوي الشهداءِ والأسرى من المجاهدين، وبذلِ المالِ لمن جعلَ همَّهُ وشُغْلَه الدفاعَ عن بلادِ المسلمين وقتالَ الأمريكانِ وأعوانهِم، واشتَغلَ بذلك عن الكسبِ والتحصيلِ لدنياه، فمَنْ تكفَّلَ بعائلةِ المجاهدِ فقد سمَّاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم مجاهداً أو غازياً، وكذا تكفَّلَ له بنصفِ أجرِ المجاهدِ، في الصحيحينِ عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَال: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « مَنَ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا ». وفي صحيحِ مسلمٍ وغيره عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ إِلَى بَنِي لَحْيَانَ « لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ ». ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ « أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ »
وكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أجودَ الناسِ، وكانَ من جودِه أنَّه لا يردُّ سائلاً صَغُرتْ مسألتُه أو عظُمتْ، روى مسلمٌ في صحيحِه عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما قَالَ: " مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لاَ ". وكان عليه الصلاةُ والسلامُ أجودَ ما يكونُ في شهرِ رمضانَ، في الصحيحينِ عنْ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".
والجودُُ والكرم صفتان من صفاتِ اللهِ تعالى العظيمةِ حثَّ عبادَهُ على التخلقِ بهما.
قال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران:92)، وقالَ في وصفِ الأنصارِ رضيَ اللهُ عنهم: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(الحشر: من الآية9)
وكانتْ أمُّ المؤمنينَ زينبُ بنت خزيمةَ رضيَ اللهُ عنها تُسمَّى أمُّ المساكينِ لكثرةِ إطعامِها لهمْ وإحسانها إليهمْ.
وأما جودُ عثمانَ بنِ عفانَ رضي الله عنه وكثرةُ بذلِهِ وتصدقِهِ في سبيلِ الله تعالى فأشهرُ من أنْ يُذكرَ، فقد جهَّزَ جيشَ العسرةِ، واشترى بئْرَ رومةَ وجعلهُ سقايةً للمسلمينَ وابنِ السبيل، وغيرُ ذلكَ كثيرٌ.
وهذا الفاروقُ رضيَ اللهُ عنه حينَ سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يحثُّ على الصدقةِ جاءَ بنصفِ مالهِ ، فوجدَ أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنه قدْ جاءَ بمالهِ كلِّه.
والصدقةُ وأعمالُ البرِ لا تُنْقصُ من مالِ المنفقِ بلْ هي سببٌ في زيادةِ مالِه وتبارُكهِ، في صحيحِ مسلمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ » وروى أبو يعلى وغيرُه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " أَنْفِقْ بلالُ ولا تخَافَنَّ مِنْ ذِيْ العَرْشِ إِقْلالاً " وصححه الألباني.
والجودُ والكرمُ من أسبابِ السيادةِ، قال الحسينُ بن عليٍّ رضي الله عنهما: أيها الناسُ مَنْ جادَ ساد، ومن بخِل رذل، وإنَّ أجودَ الناسِ مَنْ أعطى مَنْ لا يَرجوه.
ومما يُذكَرُ من جودِ وكرمِ التابعينَ وأتباعِهم، ما حكاهُ الليثُ بنُ سعدٍ عن شيخِه الإمامِ الزهريِّ قال: كانَ ابنُ شهابٍ مِن أسخى مَن رأيتُ قط، كان يُعطي كلَّ مَن جاءه وسألهُ، حتى إذا لم يبقَ معه شيءٌ يستلفُ من أصحابه فيعطونه، حتى إذا لم يبقَ معهم شيءٌ حلَفوا له أنه لم يبق معهم شيءٌ، فيستسلفُ من عبيدهِ فيقولُ لأحدهم: يا فلان أسلفني كما تعرِف وأُضعِفُ لك كما تَعلمْ فيُسلفونه ولا يرى بذلك بأساً، وربما جاءه السائلُ فلا يجِدُ ما يُعطيه فيتغيرُ عندَ ذلك وجهُهُ، فيقولُ للسائلِ: أبشرْ فسوفَ يأتي الله بخيرٍ، قال: فيُقيضُ اللهُ لابنَ شهابٍ على قدرِ صبْرهِ واحتمالهِ.
وكان الليثُ لا يقل كرماً عن شيخهِ الزهريِّ، فحكى ابنُ حبانٍ في ترجمتهِ قال: كانَ لا يختلفُ إليهِ - أي لا يأتي إليه- أحدٌ إلا أدخله في جملةِ عيالهِ ينفقُ عليهم كما ينفقُ على خاصةِ عيالهِ، فإذا أرادوا الخروجَ من عندهِ زوَّدهمْ ما يبلِّغهم إلى أوطانهِم. وقال أشهب: كان الليثُ يجلسُ لحوائجِ الناسِ لا يسألهُ أحدٌ من الناسِ فيردُهُ كبُرتْ حاجتُه أو صغُرت، قال: وكانَ يُطعمُ الناسَ في الشتاءِ الهرايسَ بعسلِ النحلِ وسمنِ البقر، وفي الصيفِ سويقَ اللوزِ بالسكرِ.

باني العُلى والمجدِ والإحسانِ ... والفضلِ والمعروفِ أكرمُ باني
الجودُ رأيٌ مسددٌ وموفقٌ ... والبذلُ فعلٌ مؤيَّدٌ ومُعانِ
والبرُّ أكرمُ ما وعتْهُ حقيبةٌ ... والشكرُ أفضلُ ما حوتْه يدانِ
وإذا الكريمُ مضى وولَّى عمرُهُ ... كَفلَ الثناءُ له بعمرٍ ثانِ

وقال آخرٌ:

ولا يُعطى الحريصُ غنىً بحرصٍ ... وقدْ يُنمِي على الجودِ الثراءُ
غناءُ النفسِ ما عمرتْ غناءُ ... وفقرُ النفسِ ما عمرتْ شقاءُ
وليسَ بنافعٍ ذا البُخلِ مالٌ ... ولا مُزْرٍ بصاحبِهِ السخاءُ


· قيامُ ليلهِ: ومِن معالمه قيامُ ليلهِ جماعةً في المسجدِ وهو الأفضلُ، أو منفرداً، وقدْ قامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعضَ الأواخرِ من لياليهِ وحثَّ على القيامِ بقولهِ كما جاء في الصحيحينِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ « مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ». فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلاَفَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ".
وفي خلافةِ عمرٍ رضي الله عنه جمعَ الناسَ عليها ورتَّب لها اثنينِ من القراءِ هما أُبيّ بنُ كعبٍ وتميمُ الداريُّ رضي الله عنهما يصليان بهم، وجاء في بعضِ الروايات أنهما كانا يقومان بثمانيَ ركعاتٍ ويوتران بثلاثٍ، وفي رواياتٍ أخر بعشرينَ ركعة ويوتران بثلاثٍ، وليس في ذلك حرجٌ والأمرُ فيه سعةٌ، وليس فيه مخالفةٌ أو بدعةٌ، ولا ينبغي أن يُجعَلَ من هذا الاختلافِ خلافٌ، فإنَّ الخلافَ شرٌ، فصلِّ مع مَن تطمئِنُ في الصلاة خلفَهُ، إن صلَّى ثمانٍ فثمان وهو الأفضل، وإن صلَّى عشرينَ فصلِّ عشرين ولا بأس، لأنَّ صلاتَك مع الإمامِ حتى يَنصرف يُكتبُ لكَ قيامُ ليلةٍ، كما في مسندِ أحمد والسننِ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قالَ: " صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِىَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قَالَ: فَقَالَ: « إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ». قَالَ فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ. قَالَ قُلْتُ مَا الْفَلاَحُ قَالَ السُّحُورُ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ ".
قالَ العلامةُ ابن بازٍ: والأمرُ في هذا واسعٌ، وليس في صلاةِ الليل ركعاتٌ محدودةٌ لا تجوز الزيادةُ عليها أو النقصُ منها لا في رمضانَ ولا في غيرهِ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يحددْ في ذلك شيئاً، بل أطلقَهَ، ولم يحددْ ركعاتٍ معدودةٍ، ولكنَّه أوتَرَ بإحدى عشرةَ وبثلاثَ عشرةَ يسلِّمُ من كلِّ اثنتينِ ، وأوترَ بأقلَّ من ذلكَ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يضيِّقَ ما وسَّعهُ اللهُ أو يحدِّدَ ركعاتٍ لا تجوزُ الزيادةُ عليها بغيرِ نصٍ من كتابٍ أو سنةٍ. مجموع فتاوى ابن باز 30/24
وقالَ العلامةُ ابنُ عثيمين- وقد رجَّح أنَّ الأصحَّ إحدى عشرةَ ركعةً-: واعلمْ أنَّ الخلافَ في عددِ ركعاتِ التراويحِ ونحوها مما يسوغُ فيه الاجتهادُ، لا ينبغي أنْ يكونَ مثاراً للخلافِ والشقاقِ بين الأمةِ، خصوصاً وأنَّ السلفَ اختلفوا في ذلكَ، وليس في المسألةِ دليلٌ يمنعُ جريانَ الاجتهادِ فيها، وما أحسنَ ما قال أحدُ أهلِ العلمِ لشخصٍ خالفَهُ في الاجتهادِ في أمرٍ سائغٍ: إنَّكَ بمخالفتِكَ إيَّايَ قد وافقتَني، فكلانا يَرى وجوبَ إتباعِ ما يرى أنَّه الحقَّ حيثُ يسوغُ الاجتهادُ. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 14/س795
وقبلُهما قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: والتراويحُ إنْ صلَّاها كمذهبِ أبي حنيفةَ، والشافعي، وأحمدَ عشرينَ ركعةً أو كمذهبِ مالكٍ ستاً وثلاثين، أو ثلاثَ عشرةَ، أو إحدى عشرةَ فقد أحسنَ. كما نصَّ عليهِ الإمامُ أحمدُ، لعدمِ التوقيفِ فيكونُ تكثيرُ الركعاتِ وتقليلُها بحسبِ طولِ القيامِ وقصرِه. الفتاوى الكبرى 5/343
وقدْ ذكرْنا أقوالَ العلماءِ هنا من دونِ الإطالةِ حتى يُعلَمَ أنَّ المسألةَ مما يسوغُ الاختلافُ فيها فلا يغتَرّ مغتَرٌّ ويشغِّب مشغِّبٌ فيجعل المسألةَ نصيَّةً فيُبدِّع فاعلَها ويفسِد على الناسِ طاعتَهم وقيامَهم في رمضانَ.
وعليكَ -أخي الصائم- بالصلاةِ خلفَ مَن تطمئِنُ في صلاتِك خلفَه، بإقامةِ قيامِها وركوعِها وسجودِها، لا خلفَ مَن ينقُرونها نقراً، فهذا هو المنهيُّ عنه، ولا يصلُحُ المقصدُ مِن صلاةِ التراويحِ بهذا النقرِ.

· الذكرُ والتَوبةُ والاستغفارُ: فهو شهرُ التوبةِ والإنابةِ إلى الغفورِ الرحيمِ التوابِ الكريمِ، قالَ اللهُ تعالى بعدَ ذكرِه لفرضِ صومِ رمضانَ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186)
· قالَ العلامةُ السعديُّ: أيْ إذا سألكَ العبادُ عن ربهِم... فأخبرْهُم أنَّ اللهَ قريبٌ مِن الداعينَ، ليس على بابهِ حجابٌ ولا بوابٌ، ولا دونَه مانعٌ في أيِّ وقتٍ وأيِّ حالٍ، فإذا أتى العبدُ بالسببِ والوسيلةِ، وهو الدعاءُ للهِ المقرونُ بالاستجابةِ لهُ بالإيمانِ بهِ والانقيادِ لطاعتِهِ، فليُبْشِر بالإجابةِ في دعاءِ الطلبِ والمسألةِ، وبالثوابِ والأجرِ والرشدِ إذا دعا دعاءَ العبادةِ.اهـ
ثمَّ عليكَ بكثرةِ ذكرِ اللهِ تعالى على كلِّ أحيانِك، واستغفارِه من ذنوبِك وتقصيرِك فإنَّ العبدَ إذا كانَ في عبادةٍ كانَ ذلكَ مظنةَ قبولِ دعائِهِ واستغفارِه.
ولا تقُلْ ذُنوبي كثيرةٌ، فمغفرةُ اللهِ ورحمتُه أكثرُ وأوسعُ، فإنَّ اللهَ تعالى يناديكَ بقولهِ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)
ولا تُسوِّف بالتوبةِ، وكُنْ في جميعِ حالِك كأنَّكَ على شفيرِ الموتِ، حتى لا تندمَ فتقول:( رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) (المؤمنون: من الآيتين99-100)،
ولا تقُلْ أخشى أنْ أعودَ بعدَ رمضانَ إلى ما كنتُ عليهِ، فهذا مِن تَربُّصِ الشيطان بكَ، ولكنْ اعزِمْ وتوكَلْ على ربِّك واستعنْ بهِ وتضرَّعْ إليهِ أنْ يثبِّتَكَ على طريقِ الخيرِ والصلاحِ، واستعنْ على ذلكَ بصحبةِ الأخيارِ والابتعادِ عن أهلِ الشرِّ والغوايةِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ الصومَ ليس عن الطعامِ والشرابِ والجماعِ فحسبْ، إنما الصومُ صومُ الجوارحِ عن المعاصي والآثامِ، فلا ينظرُ إلى المحرماتِ، ولا يستمعُ ولا يتكلمُ بالفواحشِ والمنكراتِ من سبٍّ وغيبةٍ ونميمةٍ وكذبٍ وقولٍ للزورِ وغناءٍ وغيرِ ذلك مِن أنواعِ الباطلِ، وأنْ يمنعَ يديهِ مِن البطشِ المحرمِ، ورجليهِ من المشي إلى الحرامِ.
فلا يكُنْ حظُك من صيامِك الجوعَ والعطشَ، في المسندِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ". فإنَّه مَن يفعل ذلك فلا شأنَ لصومهِ، ولا أجرَ للعبدِ في مجردِ تركِهِ للطعامِ والشرابِ، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، وَالْجَهْلَ ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ". رواه البخاري
بلْ أوصى النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ الصائمَ إذا سبَّهُ أخوه أو جَهِل عليه ولو بضربٍ أنْ لا يردَّ عليه إلا بقولهِ إنِّي صائمٌ، في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ».
وفي هذا الحديثِ معانٍ عظيمةٌ ليس هذا موضعُ بسطِها، من أهمِها قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ربِهِ: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " فما بالُكَ بجزاءِ مَنْ لا ينفَذُ ملكُهُ، فالجزاءُ فيه ليس مقدَّراً كأكثرِ الطاعاتِ الأخرى، لأنَّ الصيامَ صبْرٌ، واللهُ تعالى يقولُ في محكمِ كتابِهِ: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية10)

· المصابرةُ والمجاهدةُ: إنَّه لَمَعْلمٌ بارزٌ مِن معالمِهِ، للمسلمينَ فيه تاريخٌ عظيمٌ، فأوَّلُهُ وقعةُ بدرٍ الكبرى أعزَّ اللهُ بها النبيَّ والإسلامَ وأهلَهُ، وليس آخرَه وقعةُ الفلوجةِ التي أعزَّ اللهُ بها مجاهدِي العراقِ والمسلمينَ مِن خلفِهم، وبينَ ذلكَ وقائعُ عظمى، أعظمُها على الإطلاقِ وقعةُ فتحِ مكَّةَ التي نَسَبَ اللهُ فيها النصْرَ إليه فقال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر:1)
فشهْرُ رمضانَ هو شهرُ الصبرِ والنصرِ، وهو شهرُ جهادِ الأعداءِ ومجاهدةِ النفسِ، وشهرُ رباطِ المساجدِ ورباطِ الثغورِ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200)
فالعزمَ العزمَ والثباتَ الثباتَ في ملاقاةِ أعداءِ اللهِ تعالى، وعليكمْ بكثرةِ ذكرِ اللهِ تعالى وخاصةً عنْدَ لقاءِ العدوِ ليُنْزِلَ اللهُ عليكم السكينةَ والنصرَ والفلاحَ، كما قال جل وعلا: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (لأنفال:45)
واعلموا أنَّ اللهَ ناصرُ مَن ينصُرهُ، ولقدْ سبقَ وعدُهُ ونسألُه أنْ يُنْجزَه لنا، لقوله تعالى:
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)
(الصافات:الآيات 171-173)
اللّهُمَّ بلِّغنا شهرَ رمضانَ، وأعنَّا على صيامِهِ وقيامِهِ وطاعتِك فيه وفي كلِّ أيامِك حتى نلقاكَ وأنتَ راضٍ عنّا غيرَ غضبانٍ، واحشرنا في زمرةِ عبادِكَ الذينَ أنعمتَ عليهم مِن النبيّينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسُنَ أولئكَ رفيقاً
اللهُمَّ انصر المجاهدينَ في سبيلكَ في الجيشِ الإسلاميِّ وإخوانهِم في بقيةِ الفصائلِ ووحِّدْ كلمتَهم وقوِّي شوكتَهم وحبِّبهُم إلى عبادِك وحبِّب عبادَك إليهم، وتولَّ أمرَهم وارحمْ شهداءَهم وفُكَّ قيدَ أسراهُم، فإنَّ القيدَ قدْ أثقلَهم والأعداءَ قدْ آذَوهُم وليس لنا ولهم حولٌ ولا قوةٌ إلا بِك، فبِكَ نصولُ وبك نجولُ وبك نقاتلُ وعليكَ نتوكلُ.
اللهُمَّ أكْرِمنا بكرمٍ مِن عندِك في هذا الشهرِ الكريمِ المباركِ، وأنتَ غنيٌّ عنّا ونحنُ الفقراءُ إليك، نسألُك يا مَن أعلمُ بحالِنا ومسأَلتِنا وأنتَ تحبُّ السائلينَ، اللهُمَّ رحمةً بمن في السجونِ والمعتقلاتِ، ورحمةً بالمرابطينَ على الثغورِ والساحاتِ، يا حيُّ يا قيّومُ بكَ نستغيثُ لا بسواكَ، قدْ تخلّى عنّا الأهلُ والصديقُ والقريبُ والرفيقُ، أهمَّتهم دنياهم عن أُخراهُم، وأنتَ أرفَقُ بنا فأغِثْنا، اللهُمَّ إنْ كان هذا بذنوبِنا وتقصيرِنا فإنّا نتوبُ إليكَ ونستغفرُكَ، ولكَ العُتْبى حتى تَرضى. فلا تهلِكنا بما فعَلَ السفهاءُ منّا، (أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الأعراف: من الآية155)
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على خيرتِك من خلقِك، عبدِك ونبيِّك ورسولِك محمدٍ وعلى آله وصحبِه وسلِّم.

الشيخ عبد الله الحمد
عضو المكتب السياسي
للجيش الإسلامي في العراق
الجمعة 25 شعبان 1431 للهجرة
الموافق 6 آب 2010 للميلاد


الكاتب: للشيخ عبدالله الحمد
التاريخ: 07/08/2010