مِنْ آدَابِ الْمُجَاهِد:حِفْظُ الأَمَانةِ وتَجَنُّبُ القِيْلِ والقَالِ وتَرْكُهُ لِمَا لا يَعْنيه..

 

مِنْ آدَابِ الْمُجَاهِد:

حِفْظُ الأَمَانةِ

وتَجَنُّبُ القِيْلِ والقَالِ

وتَرْكُهُ لِمَا لا يَعْنيه

 

   إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا.من يهده الله فلا مُضِلَّ له. ومن يُضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.أما بعد.

   فهذه نصيحة في باب حفظ السر، وترك المرء لما لا يعنيه، وتجنب القيل والقال.

 

   ففي باب حفظ السر وكتمانه فإن الواجب على المجاهد في سبيل الله أن يكون أميناً، كتوماً للأسرار المتعلقة بالعمل الجهادي، حافظاً لأمانة الحديث.فالأمانة شعبة من شعب الإيمان.والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ( لا إيمان لمن لا أمانة له.ولا دين لمن لا عهد له ).رواه أحمد وهو في صحيح الجامع للألباني.

 

   فهذا الحديث يدل على عظم شأن الأمانة، ويحذر من الاستهانة والتقصير فيها.فحفظ الأمانة واجبٌ عظيم.وأدبٌ شرعي.قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ( أربعٌ إذا كنّ فيك  فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانة، وصدق حديث  وحُسْن خليقة، و عفّة طُعْمة ).ألسلسلة الصحيحة للألباني .

 

   وحفظ الأمانة مِن خُلُق الصحابة رضي الله عنهم.كما في الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( تَأيّمتْ حفصة بنت عمر من خُنيس يعني ابن حُذافة وكان من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم ممن شهد بدراً.فتوفي بالمدينة فلقيتُ عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة فقلتُ : إنْ شئتَ أنكحْتك حفصة.فقال: سأنظر في ذلك فلبثتُ ليالي فلقيته فقال: ما أُريد أن أتزوج يومي هذا.

 

   قال عمر: فلقيتُ أبا بكرٍ الصدّيق رضي الله عنه فقلتُ: إنْ شئتَ أنكحْتك حفصة.فلم يرجع إليَّ شيئاً.فكنت عليه أوجَدَ مني على عثمان رضي الله عنه.

   فلبثتُ ليالي فخطبها إليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  فأنكحتها إياه.

 

   فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئاً ؟ قلتُ: نعم.قال: فإنه      لم يمنعني حين عرضتَ عليَّ أنْ ارجع إليك شيئاً إلا أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يذكرها.ولم أكن لأُفشي سرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.ولو تركها نكحتها).صحيح سنن النسائي للألباني .

 

   والشاهد من الحديث حفظ أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه لسرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .

 

   وكما في كتمان أنس لسرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم  إذ قال: ( أسرّ إليَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم سراً فما أخبرتُ به أحداً بعده.ولقد سألتني أُم سُليم فما أخبرتها به ).متفق عليه.

 

   والمجاهد الأمين على السرّ ينال الثقة عند الناس. بخلاف الذي يتهاون بالأمانة و يشيع الأسرار فإنه يكون مُبعَداً      لا يأمَنُه الناس.

 

   والذي لا يحفظ الأمانة ولا يكتم السرّ يتسبب في إلحاق الضرر بالمجاهدين وإيذائهم في أنفسهم وفي عملهم.

   والذي يؤتَمَن فيَخون فيه خصلةٌ من خصال المنافقين.

 

   قال النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتُمِن خان). متفق عليه.

 

   وقد جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم من الأمانة حديثُ الرجلِ والتفاته عند الحديث فقال: ( إذا حدّث الرجل بالحديث ثم الْتَفَتَ فهي أمانة ).رواه أبو داود والترمذي وهو في السلسلة الصحيحة للألباني.

 

   ومعنى الحديث: إذا حدّث الرجل عند أحدٍ حديثاً ثم التفت يميناً أو شمالاً ـ مثلاً ـ فهي أمانة، أي عند مَن حدثه فيجب عليه كتمه.

 

   قال ابن رسلان: (لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد.وأنه قد خصّه سرّه.فكان الالتفات قائماً مقام: أُكتم هذا عني أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانة ).إنتهى.

 

   وقد أمرنا الله عز وجل بأخذ الحذر فقال (وخُذوا حِذْركم ) ومِن باب أخذ الحذر: حفظ الأسرار وكتمانها.فالناس قد يؤتَون مِن قِبَل الذين لا يكتمون الأسرار.

 

   والنبي صلّى الله عليه وسلّم علّمنا أمراً عظيماً في باب آداب اللسان: أنْ نقول خيراً أو نصمُت، فقال: ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ).صحيح سنن أبي داود للألباني.

 

   فهذا من شرائع الإيمان: أنْ نقول الخير، وإلا فالواجب علينا الصمت وكف اللسان عما لا خير فيه.

   ولا يخفى أنّ الذي يشيع الأسرار، ولا يحفظ أمانة الحديث فإنه يفسد ويؤذي بلسانه و عمله هذا.

 

فصل

   وأمّا تناقل الأخبار وإذاعتها بدون تثبت فهو خُلُق مذموم.وقد أنكر الله عزّ وجلّ على مَن يبادر إلى هذا الفعل فقال      ( وإذا جاءهم أمرٌ مِنَ الأمْن أو الخوف أذاعوا به ولو رَدّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعَلِمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلا قليلاً ).

 

   قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية:

 

   ( إنكارٌ على من يبادر إلى الأمور فبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة ).(1/502).

   وزجر النبي صلّى الله عليه وسلّم عن هذا الفعل فقال: ( كفى بالمرء إثماً أنْ يحدِّث بكل ما سمع ).صحيح           سنن أبي داود للألباني.

 

   وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنّ الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال ).متفق عليه.

 

   قال ابن كثير في معنى نهيه عليه الصلاة والسلام عن ( قيل وقال ): ( أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس مِن غير تثبّت ولا تدبّر ولا تبيّن ).ألتفسير (1/502 ).

 

   فلْيحذر المجاهدون مِن هذا الْخُلُق الذميم، وهو تناقل الأخبار بدون تثبت، فهذا الفعل يترك أثراً سيّئاً في الصف المجاهد، وهو مما يفرح الأعداء لعنهم الله.

 

                                                                 فصل                                                     

   وعلى المجاهد أنْ يترك ما لا يعنيه.فبعض الناس عنده الفضول في تتبع أسرار العمل الجهادي ليس لشيء يعنيهم ،     ولا يتعلّق بعملهم.وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مِنْ حُسْن إسلام المرء تركه مالا يعنيه).صحيح جامع الترمذي للألباني.

 

   فنصيحتي للمجاهد في سبيل الله أن يجتهد في عمله، ويبذل وسعه في القيام بما أُمر به، وأنْ لا يسأل عما لا يعنيه.فقد يُلحق بسؤاله هذا الضرر بالمجاهدين، وقد يؤدي إلى كشف الأسرار.إضافةً إلى أنّ فيه تضييعاً للوقت، في حين كان يجدرُ بهذا الشخص أنْ يبذل وقته في إتقان عمله والاجتهاد فيه.

 

   وبالجملة فالمجاهد في سبيل الله عليه أن يكون قدوة للناس في الخير، ذا شخصية متميزة، يكتم السرّ، ويراعي     الأمانة وإنْ لم يُستكتَم، ولا يبادر إلى نقل الأخبار بدون تثبّت.وعليه أنْ يكون منشغلاً فيما يعنيه ويعود إليه، تاركاً لما          لا يعنيه.وفي كل هذا مصلحة للفرد المسلم وللأُمّة المسلمة المجاهدة.

 

                                                                عبد العزيز بن محمّد

                                                          جمادى الأولى 1427 للهجرة
الكاتب: عبد العزيز بن محمّد
التاريخ: 28/12/2006