بين تضحيات نابلس ، وخيانة أنابوليس

 

بين تضحيات نابلس ، وخيانة أنابوليس
 
 
،
حامد بن عبدالله العلي
،
في صيف عام 2004م ، في نابلس القديمة ، بلدة الصمود ،  استشهـد القائد العام لكتائب الأقصى في الضفة الغربية نايف أبو شرخ، والقائد العام لسرايا القدس في الضفة فادي الشيخ إبراهيم، وقائد كتائب عز الدين القسام  في منطقة نابلس جعفر المصري، ومعهم خمسة آخرين من أقدم المطلوبين لسلطات الاحتلال الصهيوني من كتائب الأقصى ، كانـت خسارة كبيرة ، لمجموعة قادة كبار في مخبأ حصين جدا .
 
وهذه تضحية واحدة من نابلس فقط ، ومشهـد واحـد من مشاهد لاتحصى ، قـد قُدمت فيها دماءٌ غالية من أجـل حماية مقدسات وكرامة أمـّتنا في فلسطين .
 
وكانت هذه التضحيات العظيمة ، وتلك الدماء النفيسـة  ـ لاغيرهـا ـ  هي التي شقت خارطة الطريق نحـو مأزق الصهاينة الذي هـم فيه الآن ، فهرعوا يستنجدون براعيتهم ، وحاميتهم ، أمريكا ، وبحرس حدودهم من عديمي الكرامة ، قطعان النظام العربي$$$
 
نعـم ..لو أنَّ هؤلاء الذين تـمَّ سوْقهم بعصا رايس إلى أنابولس كان لديهم ذرّة من كرامة ـ أمّا دينُ الله فقد تبرؤا منه وتبرّأ منهم ـ أو كان فيهم بقيـّة عرق من فطرة الإنسان التي فطر الله الخلق عليها ، لحركتهم استغاثات عجائز ، وأطفال ، ومرضى غزَّة تحت حصار الصهاينة الخانـق ، حيث الجوع ، والفاقة ، والمرض ، تنهش تلك الأجساد الضعيفة ، والموت ينتظرهـم .
 
ولو لم يكن أولئك المسـخ المتردّي أكابر المجرمين ، وأراذل الخاسئين ، لفعلوا شيئا ما لأولئك البؤساء داخل سجن غزّة الكبير ، وخارجها على المعابـر البائسة .
 
أيُرجى من هؤلاء اللئام .. ولو كما قيل : خـذ القليل من اللئيمَ وذمَّه ..
 
كلاَّ ويحـكم .. بعد هذا المشهـد الكئيب :
 
لقد بقي الهاربون من جحيم المجوس من فلسطينيي العراق في عراء الصحراء على حدود الأردن التي تفتح ذارعها لكلّ صهيوني لعيـن ، تُفرش لـه الورود ، ثـم ضاقت عن استقبال عائلات مستضعفة تبحث عن مأوى !
 
 لقد بقوا أربع سنين في لهيب الصحراء ، وبردها ، في جوعهـم ، وعطشهم ، ومرضهم ، وخوفهم ، حتى رقَّت لهم قلوبٌ من أقصى الأرض وأبعدها عنهـم !
 
قلوبُ من ؟ قـلوبُ البرازيليين ! .. فآووهم ، وقالوا لهم : (سيتمتع الفلسطينيون بنفس حقوق المواطنة التي يتمتع بها البرازيليون .. وسيستلمون هويات شخصية وجوازات سفر، كما سيحصلون على مساعدات مالية شهرية لمدة عامين حتى يتمكنوا من إعالة أنفسهم).
 
 في وقت كانت راعية الغنم رايس مشغولة بسوْق قطيعها إلى أنابلس !
 
ثـمّ إنـَّك لن تعجب من هذا المشهـد الغريب .. إذا أعدت إلى مخيّلتك هذا المشهـد :  قبل ثلاث عقود ، كان الكيان الصهيوني محاصَرا ،  ثم انقلـب الحـال ،  فها هي الدول نفسها التي حاصرته ، باتت هـي تحرسـُه ، و هـي نفسها تحاصـر اليوم غـزَّة لإرضاء الصهاينة ، وتخنـق مجاهديها لإسترضاء الأمريكيين ، ثـمَّ تتهافت إلى عتبات الصنم في أنابولس لتقديم قرابين الولاء .
 
أهم مضحوكٌ عليهم ؟ أم يضحكون علينا ؟ أم كلاهما ؟ أم سُكارى ؟ بل هم العبيد في أغلالها لاتملك من أمرها شيئا .
 
بين يديْ العدوان على العراق ، في عام 2002م أطلق الزعيم الصليبيّ الأحمـق بوش لعبته المزيفة بإيمانه الراسخ بدولة فلسطينية ، ثـمَّ ألهاهـم بهذه اللعبة وما تفرَّع عنها مـن ملهيات ، أشغلت عن القضية الفلسطينية ، حتى عبث في البلاد والعبـاد كما يشاء .
 
 ثم لمـّا تبيـّن للأمريكيين أنَّ خططهم العالميـّة الإجرامية ،  لن تبلغ منتهاها إلاّ بحـربٍ أخرى  ، عاد إلى لعبته المفضَّلة ، ودعـا الجميع إلى أنابولس : أنْ تعالوا لتلتهوا بهـذا المؤتمـر ، ونتائجه ، ومفاوضاته ،
 
 ريثما يحصل ما يلـي :
 
تكريس الانقسام الفلسطيني السياسي ، والجغرافي ، تقويض الصمود الفلسطيني، استنزاف المقاومة ، ونزع سلاحها ، وتفريق فصائلها ، وضمّ أرض جديـدة ،  وتهويد القدس، تسليط السلطة العميلة على الجهاد الفلسطيني .
 
تفرغ الولايات المتحدة الأمريكية لملف إيران وحلفاءها لتصفيته .
 
وقبل هذا كلّه : انتزاع إعتراف رسمي جديد خطير للغاية ، فبعد أن حصل اليهود ـ إثر مؤامرات كثيرة ـ على إعتراف عربـي بحقّ ( إسرائيل ) في الوجود ، ترقَّوا إلى المطالبة بالإعتراف بيهودية دولة ( إسرائيل ) ،والذي يعني أن كلّ شيء ليس يهوديا عليها ، فلاحـق له !
 
وأعجب شيء في هذه اللعبة أنه بينما القطيع العربيّ متحمّس لها ، فالصهاينة يعلمون ، ويعلنون بلا وجل ، أنّ هذا المؤتمر ، مؤتمر أنابولس ، كسابقه ، لن يقدم للفلسطينيين شيئا .
 
وما أصدق كبير معلقي الشئون السياسية  بالإذاعة الصهيونية حنان كريستال حين  يكرِّر عبارته التقليدية دائما :  ( حتى لو قام أبو مازن بتقديم رؤوس قادة حماس،  والجهاد الإسلامي على طبق من فضة، فلن يقدم اولمرت أي شيء للفلسطينيين) !
 
وقد ذكَّرني حالهم هذا بما ضربت بـه العرب مثلا :  ( ذكرني فوك حماريْ أهلي ) ، وأصله أنَّ رجلاً خرج يطلب حماريْن ضلاّ لأهْله ، فرأى امرأةً منقبه ، فأعجبـتْه حتـّى نسي الحماريـْن ، فلم يزل يطلبها حتى سـفرت له ، فإذا هي فوْهـاء ، فحين رأى أسنانها ، ذكر الحماريـْن ، فقال : ذكرني فوك حماريْ أهـلي ، وأنشأ يقـول :
 
ليت النقاب على الناس محرمٌ ** كيلا تغـرّ قبيحـةٌ إنسـانا
 
ولو رجع العـرب إلى دينهم ، وعـزُّوا بإسلامهم ، لعلموا أن النقاب الأمريكي يخفي وراءه ـ في أنابوليس ـ أقبح الوجوه ، ولحرموا على أنفسهم الركض وراءه ، ولم يغترُّوا بـه ، ولتوجهوا إلى جهادهـم فالتفُّوا حوله ، ليعتلوا ذرا المجد والعـزّ .
 
مع أنَّ المطلوب منهم اليوم ، ماهو أقـلّ من ذلك بكثير ، فإنَّ الفلسطينين لـم يألوا جهدا في جهادهم ، ولمْ يدخروا من دماءهم شيئـا فداءً للأقصى ، فسالت أنهارا ،  وقد جعلوا أجسادهم ألغاما تفجّر الأعداء لتحمي بيت المقدس ، وما زادهم تنكيل الصهاينة بهم إلاّ إصرارا .
 
وقدموا أولادهم شهداء وهم يضحكون ، لقد جادوا بكلَّ شيء ، وأثبتوا أنهم أهل لكلِّ إقدام ، وأولى بكلِّ تضحيـة .
 
وهو لايطلبون اليوم سوى دعـم صمود المقاومة الفلسطينية ، وفكّ الحصار عنها ، وردّ الحصـار إلى الصهاينة ، والتضيّيق عليهم في كلّ ميدان.
 
وهو مطلـب يسير مقدور عليه  ، لولا أنَّ مقدرات الأمة آلـت إلى الخونة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
ولهذا .. فالواجب علينا ، أن نسعى بكلّ سبيل لفك الحصار عن غزة ، والجهاد الفلسطيني.
 
وأنْ نعلـن التنديد بمؤامرات الإستسلام والخنـوع ، ونعقد مؤتمرات مضادّة لأنابوليس ،
 
لفضح مخططات العدوّ ،
 
 ولتوعية الناس بأنّ أي طريق يؤدي إلى إضعاف نهج الجهاد ضـد المشروع الصهيوصليبي في كلّ بلاد الإسلام ، وأعظم الجهاد ،  الجهاد في فلسطين ،
 
 فهـو أعظم خيانة للأمـّة ، وأقبح جريمة تقترف في حقّها .
 

والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير


الكاتب: حامد بن عبدالله العلي
التاريخ: 23/11/2007