لا جهاد اليوم ؟

 

السؤال:

كنا في مجلس فيه بعض طلبة العلم ، فقال بعضهم : إنه لاجهاد اليوم ، وأن كل جهاد في هذا العصر فهو باطل ، وقال آخر الكفار أضعاف قوة المسلمين ، فيكون ترك الجهاد جائزا ، لأنه ليس بأشد من الانسحاب، وهو جائز في حالة كثرة الكفار على المسلمين ، وإذا كان الانسحاب من أكثر من اثنين جائز ، فكيف بحالنا اليوم ، وقال ثالث : نحن مستضعفون ، ومن يجاهد يسلط الكفار على أهل الإسلام ، فالجهاد إثم وفاعله مفسد في الأرض وإرهابي ؟ وخاض بعضهم في أعراض المجاهدين ، وقال بعضهم كلاما شديدا ، لا أستطيع أن أحكيه ، حتى قالوا في الذين يعملون العلميات الاستشهادية في فلسطين أنهم مخربون خارجون عن ولي أمرهم ، ولا يحل لهم أن يجاهدوا أصلا إلا بإذنه ، وحصل لغط كثير وارتفعت الأصوات ، وأنا صحت عليهم وقلت لهم مخذّلون انبطاحيّون ، تعينون الكفار على المسلمين ، ولما جاءت أمريكا تحارب ، أفتيتم بالحرب معها ، ولم تقولوا لاجهاد اليوم ، ، وضاق صدري جدا من قولهم ، وأسألك هل لهم شبهة فيما يقولون ، وما قول أهل العلم في الجهاد ، والامة مستضعفة ، والكفار أشد بأسا وأشد تنكيلا ؟

**********************

جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

أولا :
ــــــــ
هذه مقدمة جامعة نافعة ، ذلك أن أي شخص عندما يريد التكلم بقضية ، فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من صمت نجا ) وقوله ( فليقل خيرا أو ليصمت ) ، فحينئذ هذا أحرى أن لا يقول ما يضره إن كان جاهلا .

وأن المتكلم في أي أمر من المسائل العلمية ، فثمة أربعة أمور لاينفك لها أثــر في قوله إلا أن يشاء الله :

*** الأول : مكوناته الشخصية ، أعني ما خلق عليه من العقل والحلم والذكاء ، والشجاعة والجبن ،والإقدام والخوف ، فهذا كله له أثر في أقوال الناس واتجاهاتهم.

*** الثاني : النشأة التي نشأ عليها أول التعلُّم ، فالنشأة لها غلبة على الشخص ، ولهذا قيل من شب على شيء شاب عليه ، وعامة الناس يبقون على ما تلقوه أول النشأة من الأقوال والاعتقادات .

*** الثالث : البيئة التي يعيش فيها ، فالترف له أثر على توجهات الشخص وأقواله ، أو كونه عاش عمره في رق العصر وهي عبودية الأنظمة المستبدة ، ومن لم يحمل سلاحا قط ، لا يتوقع منه تفهم مفاهيم عزة الجهاد وتضحياته بسهولة ، والعكس بالعكس .

ويدخل في هذا الأمر الثالث ، التنظيمات الحزبية الإسلامية التي ينتمي إليها بعض المتكلمين في مسائل الجهاد والدعوة ، فإنها تشكل أحيانا بيئة تمنع المتكلم أن يرى قضايا المسلمين من غير منظور التنظيم الذي ينتمي إليه ، وقد يكون لجماعته موقف مناهض للجهاد العالمي ، وقد يعد تنظيمه نفسه أنه المؤهل الوحيد لإنقاذ الأمة ، فلهذا لا يقبل أن ينصر الإسلام من خارجه ، ويجد المنتمون إلى التنظيم أنفسهم مضطرين إلى مسايرة هذا الوضع شاءوا أم أبوا ، ولهذا يمكنك بسهولة في كثير من الأحيان أن تحدد سلفا آراء الأشخاص تجاه قضايا الإسلام المعاصرة ، تبعا لانتماءاتهم التنظيمية الحزبية الإسلامية ، تماما كما المذاهب الفقهية ، إلا ما ندر.

*** الرابع : الحالة التي هو فيها أثناء تكلمة أو تبنيه الرأي ، من غضب أو إحباط أو يأس ، أو قرب من سلطة ، أو كونه في سجن ، أو مطارد ، ونحو ذلك ، فلهذا أثر في أقوال الناس وآراءهم كما لا يخفى .

فإن قلت : فهل هذا يعني أن أحدا من الناس لن يُهدى للصواب ، ويتجرد للحق ؟
فاقول كلا : بل سيهتدي منهم من يطلب الهدى من واهبه ، وهو الله تعالى ، فالله تعالى يخلصه من هذه المؤثرات التي تسمى ( الهوى ) ، ويهب له الهدى ، بدل الهوى ، ولهذا جاء في الحديث القدسي المتفق عليه ( كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ) ، غير أن الله تعالى يهب ذلك لمن يتوجه إليه ، طالبا الهدى من عنده دون سواه عند اختلاف الآراء ، وتضارب الأقوال ، واختلاط الحق بالباطل .

ولهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن دعاء الوتر الذي فيه ( اهدني فمن هديت ) ، ولهذا كان يستفتح قيام الليل وهو أكثر المواطن استجابة للدعاء بهذا الدعاء ( اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيها من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) .

ولهذا علم أصحابه هذا الدعاء ( اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ) وكان يقول ( نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ) ، وفي الحديث ( اللهم أني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ).

ولهذا قال تعالى : ( ولما بلغ أشده أتيناه حكما وعلمـــــا وكذلك نجزي المحسنين ) ، ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) .

بل لهذا نحن ندعوا في كل صلاة ( اهدنا الصراط المستقيم ) .

وإنما ذكرت هذه المقدمة ، لأن كثيرا من الناس ، بل أكثر الناس ، لا ينتبهون إلى هذه الأمر الجلل ، وينساقون وراء أهواء النفس ، ومراداتها ، تحت ضغط مؤثراتها التي ذكرتها أنفا ، دون أن يتجردوا لله ، ويلتجئوا إليه لطلب الهدى من عنده ، فلهذا نرى شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه .

وإذا توجه العبد إلى ربه ، مجاهدا هواه ، مستمسكا بالوحي ، وبالوحي وحده ، بالنظر في دلائله بالتجرد كما أسلفت ، أو بسؤاله أهله العاملين به إن لم يكن لديه آلة النظــــــر ، فلا بد أن يهديه الله تعالى سواء السبيل ، قال تعالى( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ، والله تعالى يعذر العبد إن فرغ وسعه في طلب الحق فأخطأه ، أو إن كان جاهلا فقلد من يثق به ، مادام قاصدا تقوى ربه ، ( والله يعلم المفسد من المصلح ، ولو شاء الله لاعنتكم إن الله عزيز حكيم ) .

ثانيــــــــا :
ــــــــــــــــــ

الجهاد ذروة سنام الإسلام ، وهو ماض إلى قيام الساعة ، لا يسقطه شيء ، بل الدين لا يقوم أصلا إلا بالجهاد في سبيل الله :
قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: ( ومعلوم أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد مع كل بر وفاجر تفويتاً لأدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما وارتكاباً لأخف الضررين لدفع أعلاهما فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين أعظم من فجور الفاجـر لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل به وبأحكامه ويندفع الشرك وأهله) (الدرر السنية 7/98)
ولهذا كان فرض كفاية في أحد حالتيه ، وهذا يعني أن الأمة لو تركته أثمت كلها، وحينئذ وجب على أي طائفة أن تقوم به ، لتخرج الأمة من الإثم ، وبهذا يعلم أن القائم به ، متفضل على كل الأمة ، فوجب عليها كلها شكره .
قال الخرقي في مختصره وابن قدامة في شرحه: (الجهاد فرض على الكفاية.. فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع كفرض الأعيـان ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره) (المغني 10/364)
قال ابن حـزم: "قال تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد" (المحلى 7/351)
وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن: "ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف" (الدرر السنية 7/98)
*وحتى لو تخلت السلاطين عن الجهاد ، وجب على من يقدر عليه القيام به ، ويؤمروا عليهم من يقودهم :
قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: "كل من قام بإزاء العدو وعاداه واجتهد في دفعه فقد جاهد ولا بد، وكل طائفة تصادم عدو الله فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل فإن تابعه الناس أدوا الواجب، وحصل التعاون على البر والتقوى وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعوه أثموا إثماً كبيراً بخذلانهم الإسلام، وأما القائم به فكلما قلت أعوانه وأنصاره صار أعظم لأجره كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.." (الدرر السنية 7/98)
*وقال ابن قدامة: "فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع" (المغني 10/375) .
*والتخذيل عن الجهاد ، والنهي عنه إثم عظيم من أعظم الآثام :
قال ابن حزم: "ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم" (7/300)
وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن: "بأي كتاب أم بأي حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع، هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على بطلان هذا القول أشهر من أن تذكر من ذلك عموم الأمر بالجهاد والترغيب فيه والوعيد في تركه"
وقال أيضاً: "وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله ولا يكون الإمام إلا بالجهاد لا أنه لا يكون جهــاد إلا بالإمام" (الدرر السنية 7/97)
وقال ابن حزم: "يغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلب والمحارب كما يغزى مع الإمام ويغزوهم المرءُ وحده إن قدر أيضاً" (المحلى 10/99)
وقال شارح الطحاوية عند قول الطحاوي: "والحج والجهاد ماضيان... الخ"
"يشير الشيخ -رحمه الله- إلى الرد على الرافضة حيث قالوا لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضى من آل محمد" (ص/437) .
* والمجاهدون هم أفضل أهل الإسلام ، فالطاعن فيهم يعادي الله تعالى ، لانهم جنود الله الذين يقاتل بهم الكفر ، كما قال تعالى ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) ، وقال ( ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضهم ببعض ، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرّفهـــــا لهم ).
قال الإمام أحمد وسئل عن هذه الطائفة فقال: "هم أهل المغرب (الشام) إنهم هم الذين يقاتلون الروم، كل من قاتل المشركين فهو على الحق" (مسائل أحمد رواية ابن هاني 2/192)
وقال عن المجاهدين: "ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام، وعن حريمهم فأي عمل أفضل منه؟
الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم" (المغني 10/368)

ثالثــــــــا :
ـــــــــــــــــ

كثيرا ما يقع الخطأ في الفهم بسبب الإجمال ، أعني إطلاق الأحكام المجملة على القضايا التي حقها التفصيل .

كما قال ابن القيم رحمه الله :
فعليك بالتفصيل والتمييز فالإطلاق والإجمـال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطاالاذهـان والآراء كـل زمان

ذلك أن الإجمال في إطلاق الأحكام ، قد يجعل الأمور المتباينة أشد التباين ، تندرج تحت حكم واحد ، يصدق على بعضها دون بعض ، ولهذا فالواجب أن يُحكم على كل جهاد على حده ، بالنظر إلى دواعيه ، وأهدافه ، وشروطه القائمة ، وما يرجى أن يتحقق منه .

كما يجب أن يُحكم على كل عمل من أعمال الجهاد الواحد ، بما يستحقه شرعا ، فربما كان الجهاد مشروعا من حيث الجملة ، ولكن يكون في بعض عملياته عدوان محرم ، فيحكم على العدوان بالتحريم ، وعلى الأصل بالمشروعية .

ولهذا قال تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .

فالجهاد في فلسطين ، ولجبهة مورو في الفلبين ، وفي أفغانستان ضد المحتل ، وفي العراق ضد المحتل ، و الشيشان ، وفي كشمير ، كل ذلك على سبيل المثال ، لا يقول بعدم مشروعيته ، من يفقه دين الله ، مع أنه كلَّه جهاد الدفع أصلا ، وإذا كان قد يقع في بعضه عدوان ، أو خطأ ، فهذا لا يجعل الجهاد كله باطلا.

رابعـــــــــــــا :
ـــــــــــــــــــــــ

العجب ممن يبطل جهاد المسلمين في الوقت الذي يعين بقوله هذا الكفار في حربهم وعدوانهم على بلاد الإسلام ، والمسلمون مع ذلك هم أحوج شيء إلى الجهاد في هذا العصر ، الذي تكالبت فيه قوى الكفر عليهم في كل بقاع الأرض ، والحال أن المسلمين قد رأوا بعين اليقين ، بل حق اليقين ، أن عزتهم واسترداد حقوقهم لاتحصل إلا بالجهاد ، كما لم يتم طرد المحتل الأجنبي من بلادهم في احتلال القرن الماضي إلا به ، ولو أن المخذلين أمثال هؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم ( قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا .. الآيات في سورة الأحزاب ) ، لو أنهم قادوا الأمّة إبان الاحتلال الماضي ، لقادوها إلى الذل والهوان ، أكثر مما هي عليه الآن.

ومعلوم أن الكفار يسعون سعيا حثيثا بالإعداد العسكري ، والتخطيط السياسي ، والمكر الكبير الذي يعقدون به المعاهدات التي تخدم هيمنتهم واستعلاءهم على أهل الإسلام ، كقرار الأمم المتحدة الأخير الذي أحل لأمريكا احتلال العراق ، وأطلق يدها في ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم ، ومكنها من تحويل أحد أكبر بلاد الإسلام إلى وقود يغذي خططهم السياسية في المنطقة كلها ، وفق البنود الخمسة الاستراتيجية الجديدة التي تحدد سياستها الخارجية وهي :
1ـ اعتبار النظام العالمي الذي جاء بعد الحرب العالميّة الثانية، غير ملزم للولايات المتحدة.
2ـ العمل على منع بروز أيّ قوّة إقليميّة، قد تنافس واشنطن عالميّاً.
3ـ الأخذ بمبدأ الضربة الاستباقيّة.
4ـ الوصول بالقوّات العسكريّة، إلى مستوى خوض أكثر من حرب، في وقت واحد.
5ـ السيطرة على منابع النفط الخام وطرق إمداداته

ولم يعد يخفى إلا على السذّج والبسطاء ، أن جميع معاهدات أمريكا مع الدول ، إنما تخدم وتغذي وتضمن تحقق هذه البنود الخمسة الاستراتيجية ، وأن الدول الضعيفة تضطر إلى الانصياع للسياسة الأمريكية ، اليت إن تركت حتى تمضي محققة كل أهدافها ، فستستأصل هذا الدين من أساسه ، وأن القول بإبطال كل جهاد للإسلام والحال ماذكر ، يماثل قول القاديانية في إبطال الجهاد ضد الإنجليز إبان احتلالهم للهند.


خامســــــــا :
ــــــــــــــــــــ

القول بإبطال الجهاد كلِّه ، قياسا على جواز الانسحاب في الجهاد في حال كون عدد الكفار أكثر من ضعف عدد المسلمين ، من أبطل القياس ، فلم يزل الكفار أقوى ، وأكثر عددا من المسلمين ، ولم يبطل كلّ الجهاد من أجل ذلك أحد من أهل العلم .

ذلك أن مواطن الجهاد ، ربمــا يختلف حكم بعضها عن بعض ، ومعلوم أنه أحيانا يدخل في معادلة المواجهة ، أمور أخرى غير العدد والعتاد ، منها الاستفادة من سنّة التدافع ، والضغط العالمي ، وخوف العدو من الانهيار الاقتصادي ، والرفض الشعبي ، وغير ذلك ، فقد تجتمع هذه الأمور ، أو بعضها ، مع قليل من القتال ، فتؤدي إلى فوائد عظيمة للمسلمين ، وقد حصل من ذلك ما حصل إبان الاحتلال الغربي السابق للدول الإسلاميــّة .

هذا مع أن ترك المسلمين قتال العدو الأكثر ، رخصة وليست عزيمة ، ويجوز لهم ، بل الأولى لهم أن يمضوا في قتاله إن غلب على ظنهم الظفر ، ومن ذلك تحصل غلبة الظن من مجموع ما يدخل في معادلة المواجهة السابقة .

كما قال ابن قدامة في المغني : (( وجملته أنه إذا التقى المسلمون والكفار ، وجب الثبات ، وحرم الفرار بدليل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } الآية وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } { وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفرار يوم الزحف ، فعده من الكبائر } .

وإنما يجب الثبات بشرطين ، أحدهما ، أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين ، فإن زادوا عليه جاز الفرار لقول الله تعالى : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } .

وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر ، فهو أمر ، بدليل قوله : { الآن خفف الله عنكم } ولو كان خبرا على حقيقته ، لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفا ، ولأن خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد علم أن الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون ، فعلم أنه أمر وفرض ، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية ، لا في كتاب ولا سنة ، فوجب الحكم بها .

قال ابن عباس : نزلت : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ، ثم جاء تخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم إلى قوله : يغلبوا مائتين } فلما خفف الله عنهم من العدد ، نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد رواه أبو داود .

وقال ابن عباس من فر من اثنين ، فقد فر ، ومن فر من ثلاثة فما فر.

الثاني ، أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة ، ولا التحرف لقتال ، فإن قصد أحد هذين ، فهو مباح له ، لأن الله تعالى قال : { إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة } .

ومعنى التحرف للقتال ، أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن ، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس ، أو الريح إلى استدبارهما أو من نزلة إلى علو ، أو من معطشة إلى موضع ماء ، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم ، أو تنفرد خيلهم من رجالتهم ، أو ليجد فيهم فرصة ، أو ليستند إلى جبل ، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب .

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يوما في خطبته إذ قال : يا سارية بن زنيم ، الجبل ، ظلم الذئب من استرعاه الغنم . فأنكرها الناس فقال علي رضي الله عنه : دعوه ، فلما نزل سألوه عما قال ، فلم يعترف به ، وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم فلما قدم ذلك الجيش أخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم جمعة ، فظهر عليهم ، فسمعوا صوت عمر فتحيزوا إلى الجبل ، فنجوا من عدوهم فانتصروا عليهم

وأما التحيز إلى فئة ، فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ، ليكون معهم ، فيقوى بهم على عدوهم وسواء بعدت المسافة أو قربت .

قال القاضي : لو كانت الفئة بخراسان . والفئة بالحجاز ، جاز التحيز إليها ونحوه ذكر الشافعي لأن ابن عمر روى ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني فئة لكم وكانوا بمكان بعيد منه } وقال عمر أنا فئة كل مسلم ، وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان رواهما سعيد . وقال عمر رحم الله أبا عبيده لو كان تحيز إلي لكنت له فئة

وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل ، ولا يسلم نفسه للأسر ، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة ، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة .

وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عشرة عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ، فنفرت إليهم هذيل بقريب من مائة رجل رام ، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه ، لجئوا إلى فدد فقالوا لهم : انزلوا فأعطونا ما بأيديكم ، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر فرموهم بالنبل ، فقتلوا عاصما في سبعة معه ، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق ، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ، فلما استمكنوا منهم ، أطلقوا أوتار قسيهم ، فربطوهم بها } متفق عليه ، فعاصم أخذ بالعزيمة ، وخبيب وزيد أخذا بالرخصة ، وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم .


وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين ، فغلب على ظن المسلمين الظفر ، فالأولى لهم الثبات ، لما في ذلك من المصلحة ، وإن انصرفوا جاز ، لأنهم لا يأمنون العطب والحكم علق على مظنته ، وهو كونهم أقل من نصف عددهم ، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف ، وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه .

ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر ، لما فيه من المصلحة وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة ، والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف ، وإن ثبتوا جاز ، لأن لهم غرضا في الشهادة ، ويجوز أن يغلبوا أيضا وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف ، فالأولى لهم الثبات ، لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين ، فيكونون أفضل من المولين ، ولأنه يجوز أن يغلبوا أيضا ، فإن الله تعالى يقول : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ولذلك صبر عاصم وأصحابه ، فقاتلوا حتى أكرمهم الله بالشهادة ) أ.هـ

*** وأما العمليات الاستشهادية ، فهي مشروعة بشروط ، وقد بينت هذا سابقا في مقال تجده في ركن المقالات ، ولازلت أعجب ممن يحرمها مطلقا ، مع ورود نصوص صريحة فيها مثل ما رواه مسلم في آخر الصحيح من طريق هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه في ذكر قصة الملك والغلام وفيها :

ثم قال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال وما هو ؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس آمنا برب الغلام . فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر ؟ فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران وقال من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي اصبري يا أماه فإنك على الحق ) .

ووجه الدلالة من موضعين :

أحدهما أن الغلام دل الملك على كيفية قتله ، فقد أعان على قتل نفسه من إجل إحياء الدين ، فدل على جواز أن يسعى المجاهد في قتل نفسه لمصلحة جهادية راجحة .

الثاني : في قوله ( فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون ) ، ذلك انهم كانوا يلقون أنفسهم في النار بأنفسهم ، إمعانا في الإصرار على الإيمان ، تحقيقا لمصلحة إذلال الطاغوت والنكاية به وإظهار النصر عليه .

وفي مسند أحمد من حديث ابن عباس مرفوعا : (لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، وجدت رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط بنت فرعون، إذ سقط المشط من يدها، فقالت؛ بسم الله، قالت بنت فرعون: أبي؟ فقالت: لا، ولكن ربي، وربك ورب أبيك الله، قالت: وإن لك ربا غير أبي؟ قالت: نعم، قالت: فأعلمه بذلك؟ قالت: نعم، فأعلمته بذلك، فدعا بها فقال: يا فلانة ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أخذ أولادها يلقون فيها واحدا واحدا، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدقنا جميعا، قال: ذلك لك بما لك علينا من الحق، فلم يزل أولادها يلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع، فكأنها تقاعست من أجله، فقال لها: يا أمه اقتحمي؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت ) .

ووجه الدلالة في قوله ( اقتحمي .. فاقتحمت ) فهي قد ألقت نفسها بنفسها إلى الموت ، في ذلك التنور ، لتحقيق الهدف نفسه الذي أراده أصحاب الأخدود، مع أنها تسببت في قتل أولادها معها أيضا بإصرارها على الإيمان وتحدي الطاغوت ، والشموخ أمامه بعزة التوحيد .

غير أنه لاجرم أن تخفى هذه المفاهيم على كثير من أبناء أمة الجهاد اليوم ، إذا تذكرنا أن كثيرا من أبناء الأمة واقعون في حالة الغثائية بحب الدنيا ، وكراهية الموت ، فهذه الحالة تحمل الواقع فيها على أن يغلف حب السلامة ، والتعلق بالحياة الوادعة المترفة ، بأسماء شرعية ، مثل الحكمة ، والتروي ، وترجيح المصالح .. إلخ .

*** وختاما لابد من التنويه إلى أمرين :

أحدهما : أن الجهاد لا يصح أن يكون خبط عشواء ، لا يخضع لخطط مدروسة ،ولا أهداف محددة ، ولادراسة للبيئة التي ينطلق فيها ، ولا موازنة بين المصالح المترتبة عليه ، مع المفاسد ، ثم العمل بما يترجح منهما ، غير أن الخطأ والعدوان أو سوء الاجتهاد الذي يقع في بعض مواطنه ، لا يجوز أن يستدل به على بطلان الجهاد كله ، والتنفير منه كله ، فهذا لا يقوله إلا جاهل ، وأهل الجهاد شأنهم كغيرهم من الأمة ، يصيبون ويخطئون ، ولا يشترط أن يكونوا معصومين ، ولا ينبغي أن يحمل الفقيه الجزع من بعض أخطاء المجاهدين على أن ينفر الناس من الجهاد كله ، ومن أهله أجمعين .

الثاني : أن الذي يظن إمكان إزالة الجهاد من الأمة في عصر من العصور ، جاهل بشريعة الإسلام ونصوص الكتاب والسنة ، جاهل بسنن الله الكونيّة ، أما جهله الثاني ، فبيانه أن الله تعالى جعل الغضب معجونا في طينة الإنسان ، من جملة ما هو معجون فيه من الصفات والغرائز ، والامة مثل الكائن الحي ، تتمثل فيها صفاته ، فلابد أن تتجلى ، وقد جعل الله تعالى غضب هذه الأمة في جهادها ، وهو منطلق لا محالة ، وواقع بكل حالة ، لكن يجب ترشيده فحسب .

وأما بيان جهله الثاني فلأنه قد صحت النصوص النبوية ، بأنه لاتزال طائفة من أمة الإسلام تقاتل إلى أن يقاتل آخرهم الدجال .

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

الكاتب: سائل
التاريخ: 13/12/2006