فتوى في وجوب فكاك الأسير المسلم ؟

 

سؤال : فضيلة الشيخ ما هو موقفنا وواجبنا تجاه أسرى المسلمين في غوانتنامو وفلسطين وسجون الإحتلال الصليبي في العراق وأفغانستان وغيرهما
فتوى في فكـــاك الأسرى وتأسيس منظمة حقوقيّة خاصة بهم


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

فإنّ من أعظم أركان هذا الدين العظيم ، وحدة الأمّة الإسلاميّة ، ووجوب نصرتهم لبعضهم ، قال الحق سبحانه (إِنَّ هَـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) ، والمسلمون كلُّهم أخوة كالجسد الواحـد ، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).


وفي الحديث : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه

 

ومن أعظم مظاهرة هذه الوحدة ، وتتجلّى فيها تلك الأخوّة ، ، السعي في فكاك أسرى المسلمين ،

كما قال الحق سبحانه ، ( وإن إستنصروكم في الدّين فعليكـم النصر ) ،وقال سبحانه : ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً) ,

 

ولاريب أنّ الأسير داخل في دلالة هاتين الآيتين الكريمتين .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما،أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ،ولايخْذُلُه ، ولا يحقره).

 

ومن أعظم خذلان المسلم لأخيه : ترك إعانته ونصـره, وهو في الأسر ، أشدّ ما يكون حاجة إلى النصرة والإعانة .

 

وقـد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصر المسلم أخاه ، ظالما أو مظلوما ، فقــال: ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: يا رسول الله, أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه) رواه البخاري.

 

والأسر من أعظم الظلم الواقع على المسلم فوجبت نصرته .

 

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني ـ يعني الأسير ـ ، وأجيبوا الداعي ، وأطعموا الجائع وعودوا المريض), رواه البخاري.

 

وفي الصحيح أيضاً عن أبي جحيفة قال: قلت لعليّ رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين, هل عندكم من الوحي شيء؟" قال: "لا والذي فلق الحية وبرأ النسمة, إلا فهماً يعطيه الله عز وجل رجلاً وما في هذه الصحيفة"، قلت: "وما في هذه الصحيفة؟" قال: "العقل،وفكاك الأسير, ولا يقتل مسلم بكافر".

 

وقد توعّد النبي صلى الله عليه وسلم من يتخاذل عن نصرة أخيـه المسلم ، : «ما من امرئ مسلم يخذل امرءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلاّخذله الله في موضع يحب فيه نصرته, وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه, وتنتهك فيه حرمته؛ إلاّ نصره الله في موضع يحب فيه نصرته» رواه أبو داود من حديث جابر وأبي طلحة.

 

والأســير قد انتهكت حرمته ، وخذلانه يثمـر بهذا الوعيـد لخاذله ، نسال الله العافية .

 

وقد حضّ النبي صلى الله عليه وسلم على السعي في حاجة المسلم ، فقال : ( من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ) رواه البخاري.

وفي الحديث: ( أحبّ الناس إلى الله أنفعهم, وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم, أو تكشف عنه كربه , أو تقضي عنه دينا , أو تطرد عنه جوعا , ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا ) رواه الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

 

وأيّ حاجة أعظم من حاجة الأسير إلى الفكاك مما هو فيه من الظلم ، والقهر ، والكرب العظيم .

 

ومن كلام العلماء في فكاك الأسرى :
قال القرطبي : ( وتخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال, وذلكأوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها, قال مالك: واجب على الناس أنيُفْدوا الأسارى بجميع أموالهم, وهذا لا خلاف فيه)

 

قال ابن العربي المالكي: (إلا أن يكونواأسراء مستضعفين: فإنّ الولاية معهم قائمة, والنصرة لهم واجبة بالبدن ، بألاّيبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم, أونبذل جميع أموالنا في استخراجهم, حتى لا يبقى لأحد درهم, كذلك قال مالكوجميع العلماء, فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حلَّ بالخلق في تركهمإخوانهم في أمر العدو, وبأيديهم خزائن الأموال, وفضول الأحوال, والعدةوالعدد, والقوة والجلد). أحكام القرآن:440/2

قال ابن الجزي : ( يجب استنقاذهم من يد الكفار بالقتال ، فإن عجز المسلمون وجب عليهم الفداء بالمال ، فيجب على الغني فداء نفسه ، وعلى الإمام فداء الفقراء من بيت المال فما نقص تعين في جميع أموال المسلمين ولو أتى عليها ).

قال شيخ الإسلام ابنتيمية رحمه الله: (فكاك الأسارى من أعظم الواجبات, وبذل المال الموقوفوغيره في ذلك من أعظم القربات) . الفتاوى 635/28

 

وبهذا يعلم أنّ السعي لفكاك أسرى المسلمين عند العدو من آكد الواجبات ، وأعظم الفروض الدينية ، وينبغي السعي في إمتثاله بجميع الوسائل المتاحة ، حتى توكيل المحامين من المسلمين وغيرهم ، الذين يدافعون عن أسرى المسلمين ، مستفيدين من أدوات درء الظلم الماديّة والمعنوية في البلاد التي أسرتهم ، وغيرها من المنظمات الدولية التي تتضمن مبادئها فكاك الأسرى ، فكلّ ذلك أصله مباح في الشريعة مالم يقترن بمحرم من جهـة أخرى .

ونقترح بهذه المناسبة تأسيس منظمة إسلامية عالمية مختصة تتبنى قضايا أسري المسلمين ،يقوم عليها الغيورون الثقات ، وتصـرف إليها أموال المحسنين .

 

والله أعلــم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
حامد بن عبدالله العلي
www.h-alali.info

الكاتب: سائل
التاريخ: 20/01/2007