ما حكم قول القائل أسألك بالله هل هو من التشفع بالله على خلقه ؟

 

السؤال:

ما حكم قول اسألك بالله هل هو من التشفع بالله على خلقه ؟ وقد ورد حديث أبي موسى : ( ملعون من سأل بوجه الله ) ، بينما ورد ( من سألكم بالله فأعطوه ) . وكيف التوفيق بين هذا وهذا، وقول السعدي إن من الاستشفاع على الله بخلقه قول أسألك بالله .

***************

جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ـ

لا تعارض ، قول القائل ( أسألك بالله ) ( أو أقسم عليك بالله ) إن أراد أن لله حقا فهو يسأله به ، فهو جائز ، وإن أراد الاستشفاع بالله على خلقه فهو محرم .

وحديث أبي موسى ( ملعون من سأل بوجه الله، و ملعون من يسأل بوجه الله ثم منع سائله مالم يسأله هجرا ) فيه ضعف ، مع أنه لايدل على أن علة منع السؤال بوجه الله هي أنه استشفاع بالله على خلقه ، فليس الأمر كذلك هنا ، بل لأن السؤال بوجه الله عظيم فلا يصلح أن يسأل به الدنيا ، لكن إن وقع من السائل ، فتجب إجابته مالم يسأل مالا يحل ، هذا إن صح الحديث .

وأما حديث ( من سألكم بالله تعالى فأعطوه ) فليس فيه السؤال بوجه الله تعالى ، مع أن فيه الأمر بإعطاء السائل بالله تعالى ، كما في حديث أبي موسى سواء ، فليس بينهما تعارض أصلا .

والصحيح أن قول القائل ( أسألك بالله ) إن أراد به الاستشفاع بالله على المخلوق فهو محرم ، وإن أراد به القسم بالله تعالى ، أو السؤال بحق الله تعالى على المسؤول ، فلله تعالى أعظم الحق على خلقه ، يجب عليهم أداؤه ، فهذا لايُمنـع .

كما أن للرحم حقا ، كما قال تعالى ( الذين تساءلون به والأرحام ) ، على قراءة خفض الأرحام ، أي تساءلون بحقوق الرحم فيما بينكم ، فإن للرحم حقوقا بين أهلها .

وأما ما أنكره الإمام السعدي ، فهو الاستشفاع بالله على خلقه ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

(( أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " نستشفع بالله عليك " ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله ؛ لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب ؛ والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن يقضي حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله تعالى في مثل قوله : -

شفيعي إليك الله لا رب غيره *** وليس إلى رد الشفيع سبيل

فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم ، وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله سبحانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكلاهما خطأ وضلال .

بل هو سبحانه المسئول المدعو الذي يسأله كل من في السموات والأرض ؛ ولكن هو تبارك وتعالى يأمر عباده فيطيعونه ، وكل من وجبت طاعته من المخلوقين فإنما وجبت لأن ذلك طاعة لله تعالى فالرسل يبلغون عن الله أمره ؛ فمن أطاعهم فقد أطاع الله ومن بايعهم فقد بايع الله .

قال الله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وقال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ، وأولو الأمر من أهل العلم وأهل الإمارة إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله .

قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : { على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه ما لم يؤمر بمعصية الله فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة } وقال صلى الله عليه وسلم { لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق } .

وأما الشافع فسائل لا تجب طاعته في الشفاعة وإن كان عظيما وفي الحديث الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بريرة أن تمسك زوجها ولا تفارقه لما أعتقت وخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت فراقه وكان زوجها يحبها فجعل يبكي فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمسكه فقالت أتأمرني ؟ فقال لا إنما أنا شافع } .

وإنما قالت " أتأمرني ؟ " وقال : " إنما أنا شافع " لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة بخلاف شفاعته فإنه لا يجب قبول شفاعته ولهذا لم يلمها النبي صلى الله عليه وسلم على ترك قبول شفاعته فشفاعة غيره من الخلق أولى أن لا يجب قبولها .

والخالق جل جلاله أمره أعلى وأجل من أن يكون شافعا إلى مخلوق بل هو سبحانه أعلى شأنا من أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه .

قال تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ، { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } ، { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين } .

ودل الحديث المتقدم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله عز وجـــل : أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الدنيا والآخرة ؛ فأما في الآخرة فيطلب منه الخلق الشفاعة في أن يقضي الله بينهم وفي أن يدخلوا الجنة ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ويشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها )) أ.هـ

الكاتب: سائل
التاريخ: 13/12/2006