هل يجوز للمسلم عقد الربا في بلاد الكفار ؟

 

السؤال:

فضيلة الشيخ : انتشرت فتوى في أروبا أنه يجوز للمسلم أن يعقد العقد الربوي في بلادهم لشراء مسكن خاص به ، مع أنه يجد مسكنا بالأجرة ، لانها ضرورة ، ولأن من العلماء من أفتى بجواز الربا في دار الحرب ، واستدلوا بأن العباس رضي الله عنه كان يعامل بالربا في مكه وهو مسلم حتى وضع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حجة الوداع لما صارت مكة دار إسلام ، وأن الصديق راهن الكفار كما في سبب نزول سورة الروم ، والمطلوب أحسن الله إليكم بيان نسبة هذه الفتوى إلى الصحة أم البطلان مع معنى الضرورة ، والرد على ما استدلت به الفتوى ، وفقكم الله لكل خير ؟

*********************

جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

فإن هذه الفتوى خطأ محض ، لم تُبن على استدلال صحيح ، وقد أباحت الربا الذي هو حرب على الله ورسوله ، وملعون آكله ، وموكله ، وكاتبه وشاهديه ، ومن السبع الموبقات ، قد أباحته بتكلف واضح ، واستدلال مشوّه ، لا يجوز الاعتماد عليها ، وعلى المفتي بها أن يتقي ربه ، ويرجع عن فتواه ، وفيما يلي الرد على ما ذكر في الفتوى :
أما الضرورة فهي غير متحققه في الحصول على مسكن بقرض ربوي ، مادام المسلم قادرا على أن يستأجر مسكنا يسكن فيه ، أو يجمع مالا يمكنه به شراء مسكن على قدر سعته ، والضرورة عند العلماء هي ما خشي به المسلم على نفسه التلف أو على عضو من أعضاءه :

ففي المغني للمقدسي ( 9/ 331 ) :

" إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل "
ثم قال: "فصل وتباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعاً ، لأن الآية مطلقة غير مقيدة بإحدى الحالتين ، وقوله: " فمن اضطر " لفظ عام في حق كل مضطر ، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة وسبب الإباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك لكون هذه المصلحة أعظم من مصلحة اجتناب النجاسات والصيانة عن تناول المستخبثات ، وهذا المعنى عام في الحالتين" ثم قال:

وفي الوسيط للغزالي : ( 7/ 168 ) :
"الباب الثاني في حالة الإضطرار ، قال الله تعالى: " إلا ما اضطررتم إليه " ، فيباح تناول الحرام للضرورة ، والنظر في حد الضرورة وجنس المستباح وقدره
أما الضرورة فنعني بها أن يغلب على ظنه الهلاك إن لم يأكل ، وكذلك إن خاف مرضاً يخاف منه الموت لجنسه لا لطوله ون كان يخاف طول المرض وعسر العلاج ففيه قولان ولا شك في أنه لا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت فإن الأكل بعد ذلك لا ينعشه والظن كالعلم هاهنا كما في المكره على الإتلاف ".

وفي الهداية شرح البداية للمرغيناني ( 3/ 277 ) :

" فصل: وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر إن أكره على ذلك بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل له إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه فإذا خاف على ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه ، وكذا على هذا الدم ولحم الخنزير لأن تناول هذه المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في حالة المخمصة لقيام المحرم فيما وراءها ، ولا ضرورة إلا إذا خاف على النفس أو على العضو ، حتى لو خيف على ذلك بالضرب الشديد وغلب على ظنه ذلك يباح له ذلك ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به ن فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم لأنه لما أبيح كان بالامتناع عنه معاوناً لغيره على هلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يأثم لأنه رخصة إذ الحرمة قائمة فكان آخذاً بالعزيمة " .

ثم قال: " وإن أكره على الكفر بالله تعالى والعياذ بالله أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراهاً حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه ، لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لما مر ففي الكفر وحرمته أشد أولى وأحرى .

وفي القوانين الفقهية لإبن جزي المالكي ص 116:

" الباب الثاني في حال الاضطرار
ولاخفاء أن الميتة تباح للمضطر ، ثم إن النظر في حد الضرورة وجنس المستباح وقدره .

أما الضرورة فهي خوف الموت ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت "

والخلاصة أن الله تعالى لم يبح أكل الميتة مع أنه لم يلعن آكلها ، إلا في حال الضرورة التي وصفها العلماء من كافة المذاهب بالخوف على النفس من التلف ، فكيف يُباح الربا الذي لعن الله آكله ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ، وجعل الله أكلة الربا في حرب مع الله ورسوله، كيف ـ ليت شعري ـ يباح للحصول على مسكن خاص ، لمن يمكن أن يسكن بالأجرة ؟!

أما الاستشهاد بأن بعض العلماء قد أباحوا الربا في دار الحرب ، فهو استدلال في غير محله ،
أولاً لأنّه استدلال ناقض به المستدل نفسه ،

وثانياً لأنّه وضع في غير موضعه :

ذلك أن الحنفية الذين أجازوا للمسلم أن يأخذ الربا في دار الحرب ، بنوا ذلك على أنها دار حرب ، فتكون أموال من فيها من الكفار مباحة في الأصل بغير رضاهم فكيف إن بذلوا مالهم برضاهم ، وهؤلاء الذين يستندون على فتوى الحنفية أو بعضهم ، لا يجعلون ديار الكفار اليوم دار حرب ، وإلا لأجازوا استلاب أموال الكفار أيضـا ، فالعجب كيف أخذوا من قول الحنفية الفرع لانه وافقهم ، وناقضوه مع الأصل الذي بُني عليه الفرع لأنّه خالف ما يريدون ، فهل أعجب من هذا امرؤ سمعا ؟!
كما في المبسوط للإمام السرخسي 10 / 138:

" قال: وسألته عن الرجل من أهل الحرب يقتله المسلمون هل يبيعون جيفته من أهل الحرب؟ قال: لا بأس في ذلك بدار الحرب في غير عسكر المسلمين ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: أكره ذلك وأنهي عنه ، وأصل الخلاف في عقود الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب وقد بيناه وأشار إلى المعنى هاهنا فقال: أموال أهل الحرب تحل للمسلمين بالغصب فبطيب أنفسهم أولى ، معناه أن في غير عسكر المسلمين لا أمان لهم في المال الذي جاؤا به فإن للمسلمين أن يأخذوه بأي طريق يتمكنون من ذلك ولا يكون هذا أخذا بسبب بيع الميتة والدم بل بطريق الغنيمة ولهذا يخمس ويقسم ما بقي بينهم على طريق الغنيمة وسألته عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب قال لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر الغالب لأن قتالهم بهذه الصفة لإعزاز الدين والاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب ولكن يرضخ لأولئك ولا يسهم لأن السهم للغزاة والمشرك ليس بغاز فإن الغزو عبادة والمشرك ليس من أهلها وأما الرضخ لتحريضهم على الإعانة إذا احتاج المسلمون إليهم بمنزلة الرضخ للعبيد والنساء " .

وقال الإمام المرغيناني في كتابه ( الهداية شرح البداية ) 3 / 66 قال: " ولأن مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه المسلم أخذ مالا مباحا إذا لم يكن فيه غدر بخلاف المستأمن منهم لأن ماله صار محظورا بعقد الأمان " .

أما بيان أنه استدلال في غير محله ، فإن الحنفية إنما أجازوا أخذ أموال الكفار برضاهم أو بغير رضاهم في دار الحرب ، ولم يجيزوا أن يبذل لهم المسلم ماله في عقد ربوي ، فيقوّيهم على المسلمين وهم أهل حرب !

ولتوضيح تناقض الفتوى مع حقيقة مذهب الحنفية ، نقول : مذهبهم في هذه المسألة قد بُني على أمين :

أحدهما : أن العقد الربوي يكون بين مسلم ، وكافر "حربي" ، أي أن المسلمين في حالة حرب معهم هؤلاء الكفار الذين يعقد معهم الربا .

والثاني : أن المسلم إذا دخل دار الحرب التي يكون أهلها من الكفار في حالة حرب مع المسلمين ، يجوز له أخذ مال الكفار بأي طريق يقدر عليه ، ومن ذلك بعقد ربوي يستولي فيه على مال الكفار ، لا أن يعطي هو ماله للكافر !

والعجب والله كل العجب من هذه الفتوى التي عكست الإستدلال تماما ولم ينتبه المفتي لتناقضه الكبير فيها !
مع أن مذهب الحنيفة هنا مخالف للنصوص التي حرمت الربا ، وجعلت العقود الفاسدة ، محرمة لا يحل للمسلم أن يعقدها ، وهي نصوص عامة ، تبقى دلالتها في دار الإسلام والحرب ، واتباع النصوص هو الواجب ، فإن العلماء ليسوا معصومين ، وأقوالهم يستدل لها ، ولا يستدل بها ، وكل أحد يُؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم .

أما استدلالهم بأن العباس رضي الله عنه ، كان يأخذ الربا في مكة ، ولم يضعه النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ في حجة الوداع ، فخطأ واضح ، ذلك أن للعباس رضي الله عنه ربا في الجاهلية ، فلا يلزم أنه أخذ الربا بعد إسلامه .
وليس ثمة دليل على ذلك في الحديث أصلا ، وأيضاً فقد يكون قد أخذ الربا قبل نزول تحريمه ، أو بعد نزوله ولم يبلغه ، فكيف يستدل بما يرد عليه كل هذه الاحتمالات ، وتترك النصوص الكثيرة الواضحة في تحريم أكل الربا ولعن من فعله .

وأما استدلالهم بأخذ الصديق للرهان فقد كان هذا في العهد المكي ، قبل نزول تحريمه ، ولو كان محرما لم يفعله ، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد أُذن له في الجهاد في العهد المكي ، حتى تصبح أموال الكفار مباحة له ! ولم يكن يتصرف فيها على أنها مباحة في العهد المكي ، قبل نزول فرض الجهاد عليه ، فكيف يستدل بقصة الصديق على أنه إستيلاء على أموال الكافر الحربي في دار الحرب بالعقد الفاسد ؟!

مع أننا قد بيّنا أن استدلالهم على أن المسلم يعطي الكافر الحربي ماله بعقد الربا ، هو معاكس تماما للاستدلال بقصة الصديق والعباس رضي الله عنهما ، مع أنه لا يستدل بهما لما ذكرنا .

ثم أن جواز الاستيلاء على مال الكافر الحربي بالاغتنام ، لا يلزم منه إباحته بالعقود الفاسدة ، فالعقود الفاسدة محرمة مبغوضة عند الله ، قد حرمها في كل حال إلا حال الضرورة ، ولاريب أن الغاية المباحة ، قد يتوصل إليها بوسيلة مباحة ، فهي مباحة ، وقد يتوصل إليها بوسيلة محرمة ، فهي محرمة ، والله أعلى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

الكاتب: سائل
التاريخ: 13/12/2006